اعتقال رئيس ، تهديد دولة ، استخفاف بأمة

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2009-03-07
1670
اعتقال رئيس ، تهديد دولة ، استخفاف بأمة
ياسر الزعاترة

من العبث اعتبار المحكمة الجنائية الدولية منبرا للعدالة ، لأن لسان حالها يتمثل في أن الناس طبقتان ، طبقة يمكن محاكمتها ، وأخرى يستحيل المساس بها ، وعلى رأسها الولايات المتحدة ورعاياها في الداخل والخارج ، حتى لو كان أحدهم متورطا في جرائم دارفور نفسها. لا نقول ذلك من باب السخرية ، بل هي الحقيقة بالفعل.

 يشكل عرض الرئيس السوداني على المحكمة الدولية ، فضلا عن طلب اعتقاله ، ذروة الغطرسة الأمريكية والغربية ، في ذات الوقت الذي يشكل فيه ذروة الاستخفاف بنظام عربي يعيش أسوأ حالاته منذ ملامح احتلال العراق قبل حوالي ست سنوات ، الأمر الذي لم يتغير إلى الآن ، مع شديد الأسف.
 
لا خلاف - من وجهة نظرنا على الأقل - على أن جرائم قد وقعت بالفعل في دارفور ضد مواطنين سودانيين أبرياء ، بل ومسلمين أيضا ، في حين ينطوي الملف برمته على فشل ذريع لنظام سار من فشل سياسي إلى آخر ، وإن نجح في الحفاظ على وجوده والتخلص من منافسيه ، أكانوا من ذات الفريق الذي قاد انقلاب الإنقاذ ، أم من الفرقاء الشماليين الآخرين.
 
إن الاعتقاد بأن إصدار المذكرة هو نوع من الحرص على دماء الأبرياء وملاحقة المجرمين وإحقاق الحق لا يعدو أن يكون شكلا من أشكال السذاجة السياسية ، لأن الولايات المتحدة لم تكن في يوم من الأيام عنوانا لنصرة الحق ، بل هي أهم عناوين الظلم في هذا العالم ، وهي عادة ما تستخدم ملفات حقوق الإنسان في سياق الابتزاز السياسي وتحقيق مصالحها الخاصة ، وإلا فهل نتوقع أن تؤيد أية عقوبات على الدولة العبرية التي يسجل التاريخ أنها الأكثر استخفافا بالقرارات الدولية؟،
 
عندما يكتب التاريخ أسماء المجرمين الكبار ، فأين سيضع رجلا مثل جورج بوش بعد الجرائم التي ارتكبها في العراق وأفغانستان ، ومن ثم دعمه للإجرام الصهيوني في فلسطين ، ولا تسأل عن سجل هذه الدولة المعروف في ميدان دعم الحكام الفاسدين والطغاة في أماكن شتى من هذا العالم.
 
ما يجري يدخل في سياق مسلسل الاستهداف والابتزاز الذي يتعرض له السودان منذ مجيء نظام الإنقاذ الحالي ، وربما قبل ذلك ، ولو كانت مصر في عافيتها لما سمحت لذلك المسلسل أن يتواصل ، هي التي تدرك أنه يستهدف أمنها القومي ، وعندما يسير السودان باتجاه الفوضى أو التقسيم ، فسيضع ذلك الأمن القومي المصري رهينة بيد عملاء الكيان الصهيوني (بات من المرجح أن ينفصل الجنوب قبل أو بعد الاستفتاء المتوقع عام 2011).
 
لا نعرف بالطبع كيف سيتصرف النظام السوداني بعد صدور المذكرة ، وهل بوسعه مواجهة الموقف على نحو لا يدفع البلد باتجاه المصير الذي تحدثنا عنه ، أم سيواصل المكابرة مستندا إلى دعم عربي لن ينفع في الملمات؟،
 
نتمنى بالطبع أن يعالج الموقف بحكمة ، ولن يتم ذلك من دون وضع مصلحة البلد فوق مصلحة الأشخاص ، لا نعني تسليم الرئيس إلى المحكمة ، فذلك ما لا ينبغي أن يحدث بحال ، بل نعني السعي إلى بناء توافق داخلي يمكّن البلد من تجاوز المحنة ، حتى لو كان بقيادة جديدة ، مع إعادة النظر في كل ما جرى سابقا. وفي العموم فمسار التعامل بحكمة مع القرار خير من القبول بمسلسل جديد من الابتزاز.
 
من العبث أن تتحول دولنا وأحزابنا الحاكمة إلى قبائل ، والأصل ان يتحمل من يرتكبون الأخطاء المسؤولية عن أخطائهم ، والمساءلة الداخلية هي وحدها من يجنب البلاد الوقوع في المزالق ، فضلا عن أن يتمنى بعض أهلها عرض حكامهم على المحاكم الدولية.
 
لو سألنا المواطنين العرب في بلدان عربية كثيرة: هل يتمنون أن يعتقل زعماؤهم ويحاكمون ، ولو في الخارج ، لكان رد كثير منهم بالإيجاب ، أليس في ذلك ما يدعو إلى الحزن والقهر؟،
 
أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.