الثورة المضادة لم تضع أوزارها بعد؟

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2011-12-11
2037
الثورة المضادة لم تضع أوزارها بعد؟
عريب الرنتاوي

 تبدي قوى الثورة المضادة في مصر وتونس واليمن، مقاومة ضارية، دفاعاً عن آخر معاقلها ومكتسباتها، هي لم ترفع الراية البيضاء بعد، ولم تسلم بحقيقة أن هذه الدول والمجتمعات قد دخلت “عصر الجماهير”، على أن هذه المقاومة تختلف من حيث أشكالها ودرجة حدتها ووسائلها، من حالة إلى أخرى، ومن دولة إلى دولة.

في مصر، يقوم المجلس العسكري الأعلى، بالدور نيابة عن فلول النظام القديم، وثيقته “الفوق دستورية” كانت محاولته الأولى لرسم “سقف أعلى” لما يمكن للثورة المصرية أن تبلغه في سعيها للإصلاح والتغيير، المعركة الآن انتقلت إلى ساحة أخرى، إذ مقابل “مجلس الشعب المنتخب”، يُقْدم المجلس على تشكيل مجلس استشاري معين، وظيفته وضع قواعد اختيار “الهيئة التأسيسية” المنوط بها وضع دستور جديد للبلاد، ممارساته ضد ثوار التحرير، الأحكام العسكرية التي أصدر منها 12 ألف حكم بحق مدنيين، استحضاره المتواصل لرموز النظام القديم وأركانه، سعيه الموصول للاستمرار على ذات النهج “المباركي” في السياسة الخارجية، جميعها مؤشرات على موحية ومحملة بالدلالات، جميعها موجبات لاستمرار اليقظة والثورة على حد سواء، لا سيما أن هذه “المقاومة” تلقى دعماً قوياً من قبل عواصم عربية مدججة بالبترودولارات والفكر السلفي المتشدد.

في تونس، تبدو المقاومة أقل فجاجة، وأقل حدة، رموز النظام السابق ومؤسساته، تسعى في كبح جماح قوى التغيير، لم تجر حتى الآن “فكفكة” المؤسسة القمعية للنظام البائد، ولا قواعده الاقتصادية والاجتماعية، قوى النظام القديم تسعى في الاحتفاظ بمكتسباتها، رغم الزلزال الذي عصف بالبلاد، والأشكال التي تمارسها لا تقل خطورة، وإن كانت أكثر خبثاً ودهاءً مما تفعله المؤسسة العسكرية المصرية، فرسان الثورة المضادة هنا، يلقون الدعم من قبل الثورة المضادة العربية، بدلالة هذه الصحوة الواسعة، لقوى ظلامية، لم تسجل يوماً جنوحها للتعددية وحقوق الإنسان والديمقراطية.

في اليمن، لم يتغير شيء جوهري حتى الآن، حتى أن الرئيس اليمني “المحروق” علي عبدالله صالح، ما زال قادراً على إصدار “عفو عام” عن السجناء غير المتورطين بمحاولة اغتياله، برغم تخليه رسمياً عن صلاحياته (هو يعفو عمن حاولوا اغتيال اليمن، ولا يصفح عمّن حاول اغتياله شخصياً)، الحكومة الانتقالية الجديدة أبقت الحقائب الأساسية بيد الحزب الحاكم، أنجال الرئيس وإخوانه وأقربائه، ما زالوا يتربعون على “عروش” امتيازاتهم ومواقعهم، وليس في المدى المرئي ما يثير القشعريرة في أبدانهم، أهداف الثورة لم تتحقق حتى الآن، وعقارب الساعة قد تعود إلى الوراء، وبتواطؤ إقليمي ودولي غير مسبوق، على حساب الشعب والثورة وشباب التغيير.

أما في الدول العربية، التي تشهد حراكاً إصلاحياً، لا ثورياً، كالأردن والمغرب على سبيل المثال، فإن رياح الإصلاح والتغيير ما تزال تصطدم بجدار صلب من قوى “الشد العكسي”، “خطوة إلى الأمام.. خطوة إلى الوراء”، هو العنوان الذي يختصر الموقف، العاهل المغربي يكلف بنكيران تشكيل الحكومة، ويعين في اليوم التالي خصمه الألد، فؤاد عالي الهمة، في موقع المستشار له، لكأن التغيير المطلوب في البلاد، ينبغي أن يظل تحت سقف أعلى، لخصته التعديلات الدستوري المتواضعة التي أجريت مؤخراً.

في الأردن، تبدو قوى الشد العكسي مبثوثة في الدولة والمجتمع على حد سواء، ثمة أسئلة مشروعة حول مدى توفر الإرادة السياسية للإصلاح، وثمة أسئلة مشروعة أكثر، وملحة أكثر، حول مفهوم الإصلاح الذي تطالب به قوى وجهات مختلفه، يرقى عند بعضها إلى التغيير الحقيقي المطلوب، لكنه يهبط عند بعضها الآخر، إلى مستوى الاسترضاء والبحث عن حصة أكبر في كعكة السلطة والثروة، فتكون النتيجة، أن المشروع الإصلاحي الأردني، لم يخرج بعد، من غرفة الإنعاش والعناية الحثيثة، والأرجح أن خروجه لن يكون وشيكاً.

في سوريا، تبدو الصورة مركبة ومعقدة، الثورة المضادة هناك مبثوثة في ثنايا النظام السياسي/ الأمني القائم من جهة، وفي ثنايا بعض المعارضة السورية، وكثير من داعميها العرب والدوليين من جهة ثانية، هؤلاء ينتمون إلى معسكر الثورة المضادة، حتى وهم يقدمون الدعم والإسناد لبعض قوى سورية معارضة، أجندتهم في سوريا ليست إصلاحية أبداً، أجندتهم سياسية بامتياز، وتنتمي إلى حروب المحاور والأحلاف، لهذا يبدو المشهد شديد الغموض والتعقيد.

الخلاصة أن “ربيع العرب” ما زال عرضة لهبوب الريح السموم، من الداخل والخارج، من بقايا النظم البائدة وقوى الشد العكسي من جهة، ومن ثورة مضادة إقليمية، لم تنظر لربيع العرب أبداً بوصفه فرصة، بل نظرت إليه منذ اليوم الأول لانبلاجه، بوصفه مصدر تهديد.

وربما لهذا السبب، سنظل حتى إشعار آخر، ندور في حلقات متصلة من المواجهات والهدنات، من الصعود والهبوط، فالانتقال إلى الديمقراطية، ليس عملية سلسلة أبداً، خصوصاً حين تتداخل الأجندات ويصطرع اللاعبون، وفي ظني أنها عملية قد تمتد لسنوات خمس أو عشر قادمة، قبل أن يصبح بمقدورنا الجزم بأن مظاهر الفساد والاستبداد، الركود والاستنقاع، قد باتت وراء ظهورنا.

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.