صورتنا كما ترتسم بمداد أقلامنا

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2011-12-28
1293
صورتنا كما ترتسم بمداد أقلامنا
عريب الرنتاوي

 صحف الأيام الثلاثة الفائتة وحدها، تكفي لإعطاء القارئ والمراقب، صورة باعثة على الكآبة من الحال الذي آل إليه المشهد الأردني في بعديه الرسمي والمجتمعي، فلا تكاد تعثر على خبر أو تصريح أو تقدير موقف "يسر القلب" أو يفتح نافذة للتفاؤل...تقارير عن اصطراع مراكز القوى والقرار، وأحاديث عن حكومات ثلاث...وتلويح بالاستقالة بعد الفشل في انتزاع "الولاية العامة"، والأهم من هذا وذاك، غياب السياسة والسياسيين "الرؤيويين"، وغلبة الانطباع العام لدى المواطن، بأننا ندير شؤوننا وفقا لنظام "المياومة"... ما يوسع أزمة الثقة ويعمق اختلال العلاقة بين المواطن ودولته.

تقارير صريحة ومضمرة، عن صراع ، وضربات تحت الحزام، بين أجهزة الدولة ومراكز القوى النافذة فيها، وهذه المرة باعتراف وزراء ومسؤولين، وعلى الهواء مباشرة...فريق يعمل ضد فريق ويسعى لإحباط مساعيه وتجربته، وآخر يقدم على شن "هجوم استباقي" خشية أن تنزلق أقدامه إلى ساحات القضاء وأقبية السجون التي يقال (أشدد على يقال) بأنها تتحضر لاستقبال مزيد من الوافدين من ذوي "الياقات البيضاء" والمقامات الرفيعة.

أحاديث لرجالات دولة عن "خطر الإفلاس الاقتصادي للدولة"...وتقارير عن فساد تناهز كلفته السنوية المليار دينار...وإحالات بالجملة إلى التحقيق والقضاء، لملفات لم تُبق مشروعاً استراتيجياً واحداً إلا واشتملت عليه...حتى أننا بدأنا نعيد النظر، وبأثر رجعي بجميع قراراتنا الاقتصادية، بما فيها "خصخصة" الشركات الكبرى، وسط تعالي الأصوات للتحقيق وإعادة شراء الأصول، إلى غير ما هنالك، في سابقة قد تجعل الأردن، حالة متفردة على هذا الصعيد.

عنف مجتمعي يتنقل من منطقة إلى أخرى، ومن جامعة إلى جامعة...تطاول على القانون وهيبة الدولة والمؤسسات، حوادث الضرب والاعتداء والاقتحام بالجملة والمفرق...وتنافس شرس للاستحواذ على ما يمكن الاستحواذ عليه، من كعكة الدولة والمال العام...انتعاش غير مسبوق لكل الهويات الفرعية و"الأصوليات والعصبيات"، وحالة استقطاب واحتقان بين المكونات، و"فتنة" متنقلة من دوار الداخلية إلى المفرق.

استعصاء في عملية الإصلاح...نسمع جعجعة ولا نرى طحناً...الحكومة تضع رزنامتها الإصلاحية وفقا للتوقيت الشتوي للدوار الرابع، وليس للرزنامة التي أعلنها الملك للملأ مراراً وتكراراً...لكن الأهم من هذا وذاك، أن الحكومة ذاتها، ما عادت تلتزم برزنامتها، التي وضعتها هي بالذات، وهي تبدي المرة تلو الأخرى، تباطؤاً ملحوظاً في الإنجاز، لكأنها ناءت بحمل التكليف، وتكاد تشهر عجزها عن مواصلة المهمة.

نريد الإصلاح، ونخشى عواقبه...نريد أحزاباً ونحارب ما هو قائم منها....نريد برلماناً قوياً ونُمضي السنين في البحث عن قانون يكفل إنتاج أضعف البرلمانات...نحارب الفساد ونزكي الفاسدين...نشكو البلطجة ونوسع إطارها،نريد حرية سقفها السماء، نلتزم بدعم المجتمع المدني، ويوفر لنا القضاء الدليل القاطع على الكيدية التي نتعامل بها مع هذا القطاع: تجربة جمعية المركز الإسلامي، وقبلها اتحاد الجمعيات الخيرية.

ويزيد الطين ما يأتينا من أخبار من محيطنا...لا سلام على جبهة الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، ولا حلول تلتقي مع الحد الأدنى لطموحات شعب فلسطين...لا دولة في الأفق، ولا "خط دفاع أول عن المصالح الأردنية العليا" هناك...العراق بعد رحيل الأمريكان، ينزلق إلى مهاوي التقسيم والاصطراع الأهلي من جديد، والتيار الرئيس فيه، يكاد يكمل "الهلال" الذي كنّا أول المحذرين منه....ومن الشمال، يبدو المشهد السوري باعثاً على أشد القلق في الأردن، فالانقسام هناك، يتردد صداه هنا، وقادمات الأيام، تبدو حبلى بالتبدلات في أوزان القوى وموازينها، ليس هناك فحسب، وإنما هنا وفي عموم المنطقة كذلك....أما الخليج، الذي ظنّ بعضنا أن الترياق سيأتينا منه، وليس من العراق، فقد تعثرت خطوات انضمامنا إليه، وهبط سقف التوقعات بالمساعدات والهبات، من ملياري دولار، إلى نصف مليار، نشك في انتظام وصوله إلى الخزينة.

والمؤسف حقاً في هذه الصورة القاتمة، أنها ليست الآن، ولم تكن كذلك من قبل، قدراً لا فكاك منه...فنحن شديدو الإيمان، بأن الأردن "مؤهل موضوعياً" لاجتياز التحوّل الأسهل والأسلس إلى الديمقراطية الحقيقية...فلا النظام موغل في الدم كما هو حال الجوار، ولا المعارضة فاقدة للرشد والرشاد لتقامر بمصائر البلاد والعباد...وثمة فرصة حقيقية لبناء أجندة وطنية جامعة، أو لصياغة ميثاق وطني جديد، أو تطوير ميثاقنا القديم، إن توفرت الإرادة والوعي السياسيان، وإن صرف المسؤولون وصناع القرار أوقاتهم "الثمينة" في ما ينفع الناس ويبقى في الأرض.

ليست لدينا استعصاءات غير قابلة للمعالجة والاحتواء...وليس من الصعب علينا الوصول إلى ضفاف توافق وطني، بيد أننا بحاجة لحوار جاد، غير ذاك الشكلي (الديكوري) الذي مررنا به خلال السنوات العشر الفائتة...نريد حواراً ملزماً للمتحاورين وصناع القرار على حد سواء...حوارا ينتهي إلى إطلاق ديناميكيات إصلاحية، تذهب بالأردن إلى ضفاف الدولة المدنية الديمقراطية التعددية، دولة جميع أبنائها، دولة المواطنة وحقوق الإنسان، دولة العدالة الاجتماعية وسيادة القانون وتكافؤ الفرص..دولة الحريات التي سقفها السماء، لا أسطح وأرفف المؤسسات الإعلامية والصحفية.

دعونا نجرؤ على خوض غمار التجربة...دعونا نكف عن "تجريب المجرب"...دعونا نغادر حالة المراوحة وسياسة "خطوة للامام..خطوتين إلى الوراء"...دعونا نثق بشعبنا، كل شعبنا، ومن كل منابته وأصوله ومشاربه ومكوناته...فلا أحد من ركاب هذه السفينة ينتوي خرقها أو ثقبها...ولا أحد يريد أن يصطف في طوابير القلق بانتظار عودة أبنائه وأحفاده من المدرسة أو الجامعة...لا أحد يريد أن يرى المشاهد المؤسفة "إياها" تتكرر في صحف الصباح، لكأننا نرتد على كل ما عُرف عنا واشتهرنا به، من تسامح وتعايش وأمن وأمان...دعونا نختَر الطريق الأقصر للانتقال إلى الديمقراطية، متعظين بالتجارب من حولنا، لكن الأهم من كل هذا وذاك، دعونا نؤمن بأنه من المُحال استمرار الحال على هذا المنوال.

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.