الأزمة السورية بعد «خطابي» الأسد

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2012-01-14
1419
الأزمة السورية بعد «خطابي» الأسد
عريب الرنتاوي

 أجمع الذين تتبعوا باهتمام، تفاصيل الخطاب الرابع للرئيس الأسد، على أن الرجل بدا واثقاً متماسكاً، بخلاف ما ظهر عليه في خطاباته الثلاثة الأولى...لكن هذا الإجماع الظاهري، كان يخفي وراءه خلافاً بيّنا حول ما إذا كان هذا التماسك وتلكم الثقة، أصيلين أم مفتعلين...هنا قال البعض إن الرئيس أظهر خلاف ما يبطن، وأن حركاته المُصممة بدت أقرب لـ”رقصة الديك المذبوح”، منها إلى التعبير عن حقيقة الموقف، في حين قال آخرون إن الأسد أيقن بعد “عشرة أشهر هزّت سوريا والمنطقة بأسرها” إنه ما زال قادراً على إدارة الأزمة والتحكم بمخرجاتها.

والحقيقة أن أغلب التقديرات الموضوعية لتطورات الحدث السوري، تُرجح رحيل الأسد ونظامه، قبل نهاية العام...لكن أيا من هذه التقديرات على وجاهتها، لم يجرؤ بعد على تقديم إجابات محددة على أسئلة محددة من نمط: كيف ومتى وبأي ثمن ووسيلة، ومن هي القوى التي ستخرج هذا النظام من عرين السلطة؟...نحن أيضاً لا نعرف أجوبة محددة على هذه الأسئلة المحددة، بل اننا لم نعد ميّالين لإطلاق التهكنات والنبوءات في هذا المضمار الشائك، الذي يزداد تعقيداً، مع مرور الوقت وتزايد أعداد الضحايا، وتشابك ملفات سوريا بملفات الإقليم المضطرب من حولها.

على أننا ندرك تمام الإدارك، أن ثبات النظام وقوته وتماسكه، متأتٍ في الأساس، من ضعف معارضته وتشرذمها، فضلا عن استمرار الانقسام في الموقفين العربي والدولي حول سوريا...فالمعارضة السورية تسجل الفشل تلو الآخر، بتوحيد صفوفها والخروج ببرنامج عمل مشترك وخريطة طريق موحدة للخلاص من الأزمة...والجامعة العربية منقسمة على ذاتها، ولا تبدي سوى أنظمة وحكومات، مطعون في نواياها وأجنداتها، حزماً كافياً لإحراج النظام وإخراجه...أما روسيا والصين وبقية مجموعة دول “بريكس” الوازنة، فما زالت على موقفها الرافض لتدويل الأزمة السورية والتدخل لحسم الموقف ميدانياً مع نظام الأسد، بل ونجازف بالقول إن الدول المرشحة لممارسة التدخل وإحداث التغيير، تزداد تردداً وتضعف إرادتها يوماً بعد يوم.

وسواء أكان ميل الانتفاضة السورية للعسكرة والعنف تعبيراً أصيلاً عن توجهات بعض المعارضة السورية، أو أنه جاء استجابة لمحاولات النظام استدراج معارضيه لهذا الملعب الخطر، فإن “العسكرة” و”العنف” وبقية “تعبيرات الحرب الطائفية / المذهبية”، قد باتت من حقائق المشهد السوري الراهن، وهذه نقطة تعمل لصالح النظام وليس ضده...فغالبية الشعب السوري التي لم تنزل للشوارع بعد، لا مؤيدة للمعارضة ولا مؤيدة للنظام، تفضل الوقوف في “المساحة الرمادية” خشية على مستقبل البلاد والعباد، ورغبة بتجنب أسوأ السيناريوهات التي تنتظر سوريا، وحول هذه الغالبية “غير الصامتة”، يدور الصراع بين السلطة ومعارضيها...وهذه هي الشريحة الواسعة من السكان، هي بالذات التي يستهدفها النظام تارة بإثارة فزاعة “الحرب الأهلية والتقسيم والمؤامرة على سوريا”، وتارة أخرى من خلال التلويح ببرنامج إصلاحي يصل حد تعديل الدستور والاستفتاء عليه والوعد بإجراء انتخابات تعددية تشرف عليها حكومة “وحدة وطنية”.

لسنا ندري حتى الآن، كيف ستكون نتائج هذا الصراع، وأي من الفريقين سيكسب المعركة أخيراً، السلطة أم المعارضة، لكننا في هذه اللحظة بالذات على الأقل، نكاد نجزم بأن المعارضة لا تحقق تقدماً ملموساً على هذا الطريق، وأن النظام قد بدأ ينتقل بالفعل من الدفاع إلى الهجوم، وأن خطابي الأسد الأخيرين، المُعدّ والمُرتجل، أسسا لهذه النقلة في تعامل السلطة مع الأزمة.

مشكلة المعارضة السورية (الخارجية بالذات) أنها باتت تعوّل على خيار واحد أوحد: التدخل الدولي لإزاحة النظام، وهي وضعت كل “بيضها في سلة واحدة”، معلقة على الموقف القطري وامتداداته العربية والإقليمية والدولية...وهذا الرهان صرف المعارضة عن التفكير باستخدام مختلف أوراق القوة التي تمتلكها من الناحية النظرية على الأقل...فطالما أن التغيير سيأتي من الخارج، وعلى ظهور دباباته وأجنحة مقاتلاته، فما الحاجة لوحدة المعارضة، ولماذا إضاعة الجهد في لملمة أوراقها وصفوفها، هكذا ينطق لسان حال كثيرٍ من الأصدقاء والإخوة في معارضة الخارج.

أما معارضة الداخل فهي تجد نفسها بين أكثر من نار واحدة، وليس بين نارين فقط...فهي من جهة لا تستطيع أن تتساوق ما يُزعَم أنه مشروع إصلاحي للنظام، إدراكاً مُحقاً منها بأنه لن يتعدى المناورة المحسوبة بدقة متناهية...وهي من جهة ثانية، لا تقود الشارع ميدانياً بل تنقاد إليه، وليس لها كبير دالةٍ عليه، باعتراف زملاء وأصدقاء من قادة معارضة الداخل...وهي من جهة ثالثة، تقع تحت أقصى أشكال الضغط والابتزاز، قبضة نظامية حديدة من جهة، و”عنف مذهبي، أصولي متطرف ووهابي” من جهة ثانية، يجعل حركتها حذرة للغاية مخافة أن تصب القمح في طاحونة هؤلاء.

معارضة الخارج تبني طموحاً كبيراً على لاعبين ليسوا مستعدين في المدى المنظور للقيام بخطوة (نقلة) ثانية على رقعة شطرنج التغيير الثوري...ومعارضة الداخل تخشى أن تلقي بالقليل من “الحَبّ” الذي بين يديها في طاحونة النظام (تحت شعار الإصلاح) أو طاحونة متشددي المعارضة وأصولييها (تحت شعار المقاومة ونظرية لا يفل الحديد إلى الحديد).

نعم، النظام يلتقط أنفاسه، وقد يحتفل هذا العام بذكرى الحركة التصحيحية، بخلاف التنبؤات المتفائلة لكثير من الإخوة والأصدقاء في المعارضتين الداخلية والخارجية....لكن الأمر الذي لا يجب أن يغيب عن البال، أن للشعب السوري أجندة إصلاحية جذرية، قدم الغالي والنفيس من أجل إخراجها إلى حيز التنفيذ، وهو لن ينام على حرير الوعود الخادعة والأوهام الزائفة، وهو ماضٍ في طريقه محطماً حواجز الخوف وجدران الرعب والصمت...فيما النظام الذي حكم لأكثر من عشريات أربع من السنين، لن يظل قادراً على مواصلة الحكم بوسائله القديمة، والمؤكد أن أية وسائل جديدة، ستؤسس لبداية أفوله في الوقت ذاته...وما لا يجوز إغفاله أيضاً في هذا المقام، أن الشعب السوري، لن يعدم وسيلة لشق طريقه نحو مستقبله، من دون انتظار “مكرمات” نظام مُجرّب، أو ترقب “عودة الروح” لمعارضة مشتتة تائهة...لهذا نرى أن الأزمة السورية ستظل مفتوحة على مصراعيها، وللقصة بقية.

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.