سورية وما بعد الفيتو الروسي

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2012-01-31
1377
سورية وما بعد الفيتو الروسي
عبدالباري عطوان

 يبدأ مجلس الأمن الدولي اليوم مناقشة مشروع القرار العربي الذي يطالب الرئيس السوري بشار الاسد بالتنحي عن الحكم، وتسليم صلاحياته لنائبه السيد فاروق الشرع، تمهيدا لتشكيل حكومة وحدة وطنية، والاعداد لانتخابات برلمانية ورئاسية في غضون بضعة اشهر.
الدول الاوروبية تدعم المبادرة العربية، وكذلك الولايات المتحدة الامريكية، وهذا ما يفسر توجه وزيري خارجية بريطانيا (وليم هيغ) وفرنسا (آلان جوبيه) الى الامم المتحدة لدعم صدور قرار عن مجلس الامن يتبنى هذه المبادرة، ويسرع برحيل رأس النظام السوري.
فرص نجاح هذه المساعي العربية الغربية تبدو محدودة للغاية، ان لم تكن معدومة، خاصة بعد اعلان وزير الخارجية الروسي معارضته لها، وتهديده باستخدام حق النقض 'الفيتو' لاحباطها.
نستطيع ان نتكهن بما يمكن ان يفعله النظام السوري في الايام والاسابيع المقبلة، في حال فشل مشروع تدويل الأزمة، ولكننا لا نستطيع ان نتنبأ بما يمكن ان تفعله الجامعة العربية التي ظلت تهدد بهذا التدويل طوال الاشهر الماضية، باعتباره الطلقة الاخيرة في جعبتها.
من الواضح ان الاقتراح بإرسال قوات عربية الى سورية لحماية المدنيين من النزيف الدموي اليومي، قد وصل الى طريق مسدود، لأنه لم يلق اي حماس من اي من الدول الاعضاء، الخليجية منها خاصة، كما ان اقدام الدول الغربية على ارسال قوات الى سورية، او اقامة مناطق حظر جوي، على غرار ما حدث في ليبيا، ليس مطروحا بسبب تعقيدات الملف السوري، الداخلية منها والاقليمية، واستيعاب الدول الغربية دروس التدخل في افغانستان والعراق، بل وليبيا نفسها بالنظر الى ما يحدث في الاخيرة من فوضى على الارض وعودة شبح الحرب الاهلية القبلية والمناطقية، بسبب ضعف الحكومة المركزية، وانعدام الأمن في ظل سيطرة الميليشيات المتناحرة.
التطور الأبرز الذي يمكن ان تتبناه الدول العربية هو تآكل سيطرة النظام على اطراف البلاد، وريف كل من دمشق وحلب على وجه الخصوص، بفعل العمليات العسكرية للجيش السوري الحر، وبعض الجماعات المسلحة الاخرى، التي حملت السلاح دفاعا عن المدنيين من هجمات الامن والجيش. ولا نبالغ اذا قلنا ان دولا عربية تقف بقوة خلف عمليات تهريب السلاح والمقاتلين، فانسحاب قوات الجيش من منطقة الزبداني وسيطرة الجيش الحر عليها عائد بالدرجة الاولى الى كونها قريبة من الحدود اللبنانية، ومحاذية للمناطق التابعة لتكتل الرابع عشر من آذار بزعامة السيد سعد الحريري، العدو الاول لسورية في لبنان.
النظام السوري تعرض لهزة كبرى بخسارته لريف دمشق، ونجاح بعض معارضيه بنقل المعركة الى ابواب العاصمة، وبما ادى الى اغلاق الطريق المؤدي الى المطار وتعطيل جزئي للملاحة الجوية فيه،لما يمكن ان يترتب على هذه الخسارة من انتكاسات نفسية في صفوف مؤيديه، فالقادمون من سورية يتحدثون، ولأول مرة، عن حالة قلق كبرى تسود العاصمة وسكانها.
' ' '
وفي الاطار نفسه يمكن الاشارة الى ان تخلي حلفاء دمشق الفلسطينيين عنها، مثل قادة حركة 'حماس' وعلى رأسهم السيد خالد مشعل الذي يمضي معظم اوقاته خارج سورية، ويبحث عن بدائل اخرى للاقامة مثل الاردن ومصر وقطر، يسحب ورقة مهمة من النظام في مثل هذا الوقت الحرج من تاريخه.
هناك طوقان للنجاة يعتمد عليهما النظام السوري حاليا، الاول هو الدعم الروسي في الامم المتحدة المتمثل في 'الفيتو' لمنع اي عقوبات اقتصادية دولية، او صدور قرار بتدخل عسكري يؤدي الى اسقاطه، والثاني هو ايران، التي ذكرت قيادتها بأنها ترتبط بهذا النظام بمعاهدة دفاع مشترك.
لا نعرف حدود الالتزام الروسي بالوقوف في الخندق الرسمي السوري على الصعيدين الزمني والعسكري، ولكننا نستطيع ان نستنتج بأنه التزام قوي حتى الآن، لان القيادة الروسية خسرت الكثير من مصداقيتها في المنطقة بعد تخليها عن حلفائها العرب مثل الزعيم الليبي معمر القذافي، والرئيس العراقي صدام حسين، وقد لا تريد ان تخسر ما تبقى منها، اللهم الا اذا حصلت على عروض تعويضية لا يمكن رفضها، مالية واستراتيجية، منفردة او مجتمعة.
الجامعة العربية تعاملت بازدراء مع روسيا، عندما تجاهلتها كليا في مساعيها من اجل تدويل الأزمة، فربما كان من الاذكى والاكثر حكمة، لو ان السيد نبيل العربي امين عام جامعة الدول العربية، الذي حمل المبادرة الى مجلس الامن، توقف في موسكو، وشرح مبادرته للروس ولو من قبيل الاعلام بالأمر، ولكنه للأسف لم يفعل، وهو تصرف غير دبلوماسي على الاطلاق.
السيناريوهات المتوقعة بعد فشل التدويل شبه المحتم، ربما تكون مرعبة بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى، لان المرحلة المقبلة هي مرحلة 'كسر عظم'، لان كل الاطراف المتورطة فيها، من هذا الجانب او ذاك، لا تريدها، اي الأزمة، ان تطول، ولذلك تسعى الى الحسم مهما كانت التكاليف.
الدول العربية، وبعد القاء المملكة العربية السعودية بكل ثقلها خلف المعارضة، واصرارها على اطاحة النظام، ستلجأ حتما الى التصعيد ودعم الجيش السوري الحر عسكريا وماديا، متشجعة بما حققه رجاله من مكاسب في ريف دمشق وحمص ومنطقة ادلب، وربما تذهب الى ما هو ابعد من ذلك، اي اقامة مناطق عازلة في ريف دمشق، او قرب الحدود السورية ـ الاردنية، والسورية ـ التركية.
' ' '
النظام في سورية الذي خسر الكثير من هيبته بارتخاء قبضته الحديدية في ريف دمشق ومناطق اخرى، قد يلجأ الى تصعيد هجماته الدموية، لاستعادة هذه الهيبة، واستخدام اسلحة ثقيلة وصواريخ وربما طائرات حربية، مما سيؤدي الى وقوع مجازر بشرية ضخمة، خاصة ان اعداد القتلى في صفوف قوات الجيش والامن الرسمية في تصاعد ملحوظ بفعل مواجهات الايام والاسابيع الاخيرة.
ولعل التطور الاكثر خطورة هو ما اشار اليه السيد عبد الحليم خدام، نائب الرئيس السابق، اي احتمال تمزيق سورية، فالاكراد، او الغالبية من قياداتهم يتطلعون حاليا الى اقامة كيان خاص بهم في شمالي سورية، على غرار نظرائهم في العراق، ويستغلون ضعف الجانبين الحكومة والمعارضة، لتحقيق هذا المكسب الاقليمي، وهذا ما يفسر وقوفهم او معظمهم على الحياد، انتظارا لهدوء غبار الأزمة، وظهور الطرف المنتصر لمساومته او حتى ابتزازه، لأن المنتصر سيكون منهكا غير قادر على املاء شروطه. وكان السيد خدام نفسه اشار الى تكديس اسلحة في المناطق العلوية في الشمال كمقدمة للانفصال.
يظل العامل الايراني على درجة كبيرة من الاهمية، وربما اكثر تأثيرا من نظيره الروسي، فالقيادة الايرانية تدرك ان الدعم العربي الغربي للثورة السورية المطالبة بالتغيير الديمقراطي، وهي ثورة مشروعة، يعود الى رفض النظام السوري كل الاغراءات المالية، والضغوط السياسية، للابتعاد عنها، اي ايران، وحرمانها من اي غطاء عربي، بحيث تكون الحرب القادمة والمتوقعة معها تحت عنوان تدمير برامجها وطموحاتها النووية، هي حرب بين العرب والفرس، او بين السنة العرب والشيعة الايرانيين وحلفائهم في العراق ودمشق ولبنان.
بعض السوريين، ومؤيدو المعارضة الذين اكتووا بظلم النظام وتوحشه على مدى اربعين عاما على الاقل، يريدوننا ان نرسم صورة وردية، ونبتعد عن مخاطبة العقل بالتحليل المنطقي، الى دغدغة المشاعر والعواطف بكلمات تشتم النظام، وتكرر شعارات المنتفضين الشجعان في الداخل من ابناء البلد الذين يواجهون الموت بصدورهم العامرة بالايمان، ولكن بعد عشرة اشهر من الانتفاضة وصمود الشعب السوري، وتقديمه اكثر من ستة آلاف انسان سقطوا برصاص الحلول الامنية، نؤكد بان المستقبل السوري مفتوح على كل الاحتمالات، ومعظمها دموي ومؤلم للأسف الشديد.

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.