مصر وسورية والثورة المضادة (1-2)

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2012-02-06
1512
مصر وسورية والثورة المضادة (1-2)
نقولا ناصر

 مواقف مصر 25 يناير لا تزال متضاربة من الأزمة السورية, فهي لم تنضم الى مجلس التعاون الخليجي في إجراءاته التي لا تترك مجالا لأي شك بأنها متطابقة مع الاستراتيجية الامريكية الهادفة الى "تغيير النظام" في دمشق, لكنها أيضا لم تحسم أمرها بعد للتخلص من إرث نظام الرئيس السابق حسني مبارك لانتهاج سياسة وطنية مستقلة عن التبعية الاستراتيجية للولايات المتحدة الامريكية والانفكاك من قيود معاهدة صلحها المنفرد مع دولة الاحتلال الاسرائيلي للتخلي في الأقل عن دور "وسيط السلام" بين العرب وبين القوة الاسرائيلية المحتلة إن لم تسمح لها الظروف الراهنة بالتحرر الكامل من قيود التبعية والمعاهدة على حد سواء, وهو الشرط المسبق لإعادة العلاقات المصرية السورية إلى مسارها الطبيعي الذي تمليه الجغرافيا السياسية والعلاقات الثنائية التاريخية التي كانت دائما هي الرافعة الموضوعية للتحرر الوطني والتضامن القومي لصد المطامع الأجنبية في الوطن العربي الكبير.

والسؤال عن الموقف المصري من الأزمة السورية قد أصبح ملحا مؤخرا خصوصا بعد أن اتخذت مصر موقفا متميزا عن موقف دول مجلس التعاون الخليجي فلم تسحب سفيرها من دمشق كما فعلوا ولم تسحب مثلما فعلوا أيضا مراقبيها من بعثة مراقبي جامعة الدول العربية العاملة في سورية, ويكرر وزير خارجية مصر محمد كامل عمرو العرابي معارضة بلاده لأي تدخل أجنبي خاصة ان كان عسكريا في سورية مهما كانت الذريعة ويصر على حل الأزمة السورية في إطار عربي في اختلاف علني واضح مع المسعى الخليجي للتدويل والتدخل عبر مجلس أمن الأمم المتحدة, حيث كان مندوبو مصر يبذلون قصارى جهودهم الدبلوماسية لدعم جهود نظرائهم السوريين لتعطيل مشاريع القرارات الغربية, عبر مجلس الأمن الدولي في نيويورك ومجلس حقوق الانسان في جنيف وحركة عدم الانحياز وغيرها من المنتديات الدولية, أو للتخفيف منها. وقد لفت النظر مؤخرا أن يكون قائد القوات المصرية التي شاركت التحالف الذي قادته الولايات المتحدة لاخراج القوات العراقية من الكويت عام 1991 في عملية "عاصفة الصحراء", الجنرال محمد علي بلال, هو من يعارض الاقتراح القطري بإرسال قوات عربية الى سورية لأن إرسالها سيمهد للتدخل الأجنبي ويقود الى تصعيد العنف والانقسام والى قدر كبير من سفك الدماء (الشرق الأوسط في 17/1/2012), إلى غير ذلك من المؤشرات الايجابية التي دفعت نائب الرئيس السوري السابق المنشق عبد الحليم خدام مؤخرا إلى انتقاد ما سماه بدعم الحكومة المصرية لنظام (الرئيس بشار) الأسد.

لكن تبجح مساعد وزيرة الخارجية الامريكية لشؤون الشرق الأوسط, جيفري فيلتمان, أثناء زيارته للقاهرة أوائل الشهر الماضي بأنه لا يوجد شريك للولايات المتحدة أهم من مصر في العالم العربي, وإعلان بلاده المتكرر بأنه لا يوجد عدو لبلاده أهم من سورية وحليفها الايراني في المنطقة, هو تبجح يعكس الحقائق كما هي قائمة على الأرض فعلا في مصر بعد الثورة, ويدحض تماما انتقاد خدام, ويؤكد ما كتبه استاذ القانون الدولي في الجامعة الامريكية بالقاهرة, د. عبد الله الأشعل, في "العرب" اللندنية أواخر الشهر الماضي بأن "نظام مبارك ... ظل في مكانه دون المساس به في جميع المواقع" وان "الحكم العسكري الانتقالي في مصر ... لم يترك متسعا للشعور بأن التغيير ممكن", ليكتب وحيد عبد المجيد في الأهرام المصرية في الرابع والعشرين من الشهر ذاته قائلا إنه "آن الأوان لأن نقف وقفة تأمل وتقييم ومراجعة لسياستنا, التي تبدو أقرب الى الانحياز الى النظام السوري, بالرغم من عدم اتخاذ موقف ضد الثورة (السورية)".

لذلك فإن تصريحات نائب وزير الخارجية السوري, فيصل مقداد, أثناء مشاركته السفارة المصرية بدمشق احتفالها بثورة 25 يناير تندرج في باب الأمل والتمني أكثر مما تعبر عن الواقع عندما قال إن "انجازات الشعب المصري هي انجازات للشعب السوري" وان "العلاقات المصرية السورية هي أساس أي جهد عربي مشترك", خصوصا بعد عجز الأمن المصري عن منع معارضين سوريين من اقتحام السفارة السورية في العاصمة المصرية مرتين خلال أيام مؤخرا, ضمن مجموعة من المؤشرات المصرية السلبية الأخرى.

فعلى سبيل المثال, قال تقرير للفايننشال تايمز البريطانية في الحادي عشر من كانون الثاني الماضي إن "القاهرة تصعد باعتبارها المركز الجديد للمعارضة لنظام السيد الأسد, مغطية على لبنان وتركيا والأردن", مشيرة أن السوريين يحصلون على تأشيرة دخول فور وصولهم مصر مقابل دفع غرامة تعادل حوالي خمسة وعشرين دولارا امريكيا في حال التخلف, ولافتة النظر ان "مصر ليس لديها أجندة" في سورية عكس تركيا مثلا.

وفي هذا السياق, يبدو الانفتاح الامريكي على الاخوان المسلمين في مصر, وعدم وضع أي عقبات امريكية فعلية أمام وصولهم الى مقاعد السلطتين التنفيذية والتشريعية, مخاطرة امريكية محسوبة بدقة لضمان وجود حكومة مصرية لا يمكنها لا فكريا ولا سياسيا أن تجد لها أرضية مشتركة لأي عمل مشترك مع الحكم الحالي في سورية, إذ تدرك واشنطن جيدا أن "الاخوان" المصريين في الأزمة السورية مصطفون "حزبيا" مع إخوانهم السوريين بغض النظر عن خطابهم المقاوم للهيمنة الامريكية والاحتلال الاسرائيلي وهو خطاب يملي عليهم بحكم المنطق أن يكونوا في خندق المقاومة والممانعة الذي تدفع سورية اليوم ثمنا باهظا من دماء شعبها لاستمرار التزامها به, وتدرك واشنطن جيدا كذلك أن أولويات الاخوان المصريين الخارجية تأخذهم الى دمشق وليس إلى العواصم العربية المتحالفة مع واشنطن, لذلك فإن "التفاهمات" التي ذكرت تقارير الأنباء أنه تم التوصل اليها بين الامريكيين وإخوان مصر هي ضمانة مصرية جديدة لعدم حدوث أي تقارب سوري مصري في المدى المنظور.

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.