رد على مقال (خطباء)

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2012-02-09
1388
رد على مقال (خطباء)
حلمي الأسمر

 وقع قبل يومين خطأ فني غير مقصود، حيث نشر مقال للدكتور فوزي زايد السعود، وفهم أن المقال لي وهو ليس لي، ومن محاسن الصدف أن ردا جميلا جدا، وردني من د. إسماعيل نوح القضاة/ القاضي الشرعي في محكمة إربد الشرعية، وخطيب الجمعة في إربد، يستحق عن جدارة أن ينشر على هذه المساحة.. 

الأستاذ حلمي الأسمر المحترم

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

مع بالغ تحياتي و تقديري لشخصكم الكريم، و الذي كان والدي سماحة الشيخ نوح القضاة يذكركم بكل خير، فانتم من الكتاب الفضلاء الذين إذا قرأنا لهم استشعرنا نفساً دينياً صادقاً غيوراً.

طالعت المقال المنشور في زاويتكم صحيفة الدستور الغراء بتاريخ 7/2/2012 بعنوان (خطباء) .

و أرجو أن أبين لحضرتك – ومن باب التناصح – الأمور التالية، و التي لا بدّ من الالتفات لها عند تناول موضوع خطبة الجمعة.

أولاً: إنّ الصحوة الإسلامية هي مفهوم أسبق و أدقّ وصفاً من الربيع العربي، وهو مفهوم لا شكّ قدمه الخطباء و الدعاة مستشرفين أفق هذه الأمة المزدهر، و هو يعبّر عن نهضة شاملة دينية و اجتماعية و اقتصادية و سلوكية و علميّة و سياسية تسعى لتحقيق أهداف هذه الأمة التي تليق بها، بوصفها خير أمة أخرجت للناس، فليس من الإنصاف أن ننظر إلى الخطباء و الدعاة – بوجه عام- بأنهم متخلفون عن الركب، في حين أنهم في الحقيقة رواده.

ثانياً: إذا نظرنا إلى أي مشكلة فيجب أن ننظر إليها بجذورها و أبعادها حتى تكون رؤيتنا أوسع، وقدرتنا على تقديم الحلول أنجع، و في هذا الصدد أرى أن من جذور المشكلة ما يلي:

ماذا قدّم المجتمع للعلماء والخطباء و الأئمة من حقهم الاجتماعي، و انظر كيف انتشرت النكات و التعليقات و المزاح الثقيل في الطعن بالخطباء و عباراتهم، و لباسهم... إلخ، و اسأل أي خطيب أو إمام عن هذا الموضوع تجده يشكو لك الأمرين من ذلك.

ليس من باب التعميم، و لكن بالنظر إلى ظاهرة لا يمكن إغفالها، كم هم من الآباء و موجهو الفكر العام للشباب من يحث الشباب المتميز أكاديمياً على دراسة العلم الشرعي الشريف، ليكون بعد ذلك متميّزاً خطيباً و إماماً و داعية.

كم عدد المساجد في المملكة، و عدد خطبائها، و بالرجوع إلى الإحصائيات التي تصدرها وزارة الاوقاف نجد أن حوالي ألف و ثمانمائة مسجد هو بدون أئمة! هذا رقم يحتاج للوقوف طويلاً أمامه لمعرفة أسبابه..

ثالثاً: إنّ المساحة التي تحتلها خطبة الجمعة في حياة المسلم – وقتياً و موضوعياً هي مساحة ضيقة جداً، فهي لا تزيد عن خمس عشرة إلى ثلاثين دقيقة باقصى حدودها أسبوعياً، ثم هي عبارة عن محاولة محيّرة من قبل الخطيب لمعالجة ما تعج به الساحة المحلية و العربيّة و الدولية، و الذي يسهل انتقاده دائماً من قبل طرفٍ ما بأنه يركز على جانب ما، و يغفل جوانب أخرى، فماذا يفعل الخطيب؟

ما هو الذي ينتظره المصلي من الخطيب؟ إذا كان ينتظر منه أن يعلمه الإسلام، و يبيّن له الحكم الإسلامي في كل القضايا، فإنه بذلك يعبر عن عدم جديّة في معرفة الإسلام وحقيقته، و إذا كان ينتظر منه أن يقدّم تحليلاً سياسياً و اقتصادياً فإنه بذلك سيظل مسبوقاً في كل ما يقوله، لأنه بذلك يخطو في حقل متسارع و متضارب.

إن مهمة الخطيب في هذا الواقع المتسارع و المتضارب تسمو فوق هذا الواقع، لتقدم للمسلم ثوابت الإسلام و ضوابطه التي تبيّن منهجية و محددات التعامل مع هذا الواقع.

رابعاً: مما لا ينكره أحد، أن الكثير من المساجد و بحمد الله فيها خطباء بأعلى المستويات العلمية و الدعوية و الفكرية والوعي بالهم الإسلامي و القدرة الخطابية، و لكن كم هو من الناس الذين يسألون عن الخطيب الفلاني أين يخطب ويتسابقون إليه ويتواصون بذلك، كما يتواصون بالطبيب الناجح، و بالمهندس المبدع.. !

خامساً: السؤال الذي يظل بحاجة إلى إجابة ما هو معيار الحكم على خطبة الجمعة؟ إن خطبة الجمعة على أهميتها تظل عبادة تحكمها ضوابط الشرع الشريف، و لذلك وضع الفقهاء لها شروطاً ينبغي على الخطيب أن يلتزم بها، و هي موجودة في كتب الفقه أهمها الشهادتان، و الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، و دعوة الناس إلى طاعة الله و النهي عن معصيته، و آية من كتاب الله... 

إن الخطباء و العلماء ظلوا دائماً هم رواد المجتمع و حركاته الاجتماعية و الثقافية، و الوضع الطبيعي أن يكونوا هم قادة الناس – وهي مهمة جليلة على الخطباء أن يلاحظوها عند قيامهم بهذا الواجب- و لكن الصورة تغدو منعكسة إذا كان المصلي يقدم إلى المسجد يوم الجمعة، و هو يريد أن يخطب الخطيب بما في نفسه، و بما يعرفه، و أن يكون الخطيب تبعاً لرؤيته الشخصية و منهجه الذاتي، و هنا أذكر كلمة لسماحة الشيخ نوح القضاة رحمه الله حين قال: ينبغي على الخطيب أن يكون مثل الطبيب، يقدم للناس ما يحتاجونه، لا ما يحبونه.

سادساً: ينبغي أن لا ننكر أن بعض خطباء الجمعة أحياناً لا تكون خطبتهم بالمستوى الذي يجب أن تكون عليه، و لكن حلّ ذلك لا يكون بتجريحهم، و بإظهار أخطاء البعض على أنها ظاهرة عامة، ولكن حلها يكون أولاً بتعريفهم بأهمية دورهم، و إظهار احترامهم اللائق بهم، و تأهيلهم من قبل علماء الشريعة أنفسهم، لا من قبل غيرهم، من باب احترام التخصص، فإن مجتمعاتنا اليوم أصبحت تعرف قيمة التخصص في كل شيء، إلا في التخصصات الشرعية فإنها لا تزال عرضة لانتقاد الكثير.

سابعاً: مما لا يليق بالخطباء أن يقال أنهم يرتزقون بالدين، فإن الخطباء إما أئمة في وزارة الأوقاف لا يتقاضون شيئاً على خطبتهم، و هؤلاء هم الأغلبية، و إما خطباء متبرعون، و البقية هم الذي يتقاضون مكافأة على خطبتهم، وبكل الأحوال فإن المكافأة التي يتقاضونها لا تكافئ ما يبذلونه من جهد، و ما يتحملونه من مسؤولية، بل وما يسمعونه أحياناً مما يكدر الخاطر.

ثامناً: قديما قال علماؤنا لحوم العلماء مسمومة، و الأمة التي لا تحترم علماءها ولا مشايخها لم تعرف بعد قيمة دينها، ولا تريد أن تقبل على الله تعالى كما أرادها الله.

فارحموا المشايخ و الخطباء و ادعوا لهم أن يوفقهم الله، و أن يعينهم على حمل الأمانة، و أنصحوهم بإكرام ولا تشهروا بهم، فما هم إلا بشر تعينهم الكلمة الطيبة، و النصيحة الصادقة، و يؤذيهم ما يؤذي الناس من همز و لمز.

و أرجو أن يتسع صدر كاتبنا الفاضل الاستاذ حلمي الأسمر لسماع هذه الكلمات، فما هي إلا نصيحة و رأي أقدمه لمن أثق بأن عنده غيرة على الدين، و محبة للوطن، و إخلاص في السعي بالنهضة بالمجتمع.

و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.