شيء من الحكمة.. شيء من الكوميديا!!

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2009-03-17
1446
شيء من الحكمة.. شيء من الكوميديا!!
بسام الياسين

متصوف هو..زاده الحب... زوادته المعرفة. القى بالدنيا وما بها خلف ظهره.. واتجه للواحد الاحد. عاش وحيدا مع وَحْدِه .. التأمل عنوانه، والسمو ديدنه، قالوا: من ذاق عرف، فتذوق المعرفة باعلى تجلياتها، وعرف كما يعرف العارفون. تناول من اطايب موائدهم، ونهل من عذب ينابيعهم، وتطهر في ماء انهارهم. ايقن مبكرا ان الدنيا خواء.. خواء ممتلئ بالخواء، خراب يودون اعماره باسلحة الدمار. غابات يزرعونها بالحرائق، بحار يلوثونها بقاذوراتهم، مدن ينشرون فيها الشقاء. ملهاة مأساوية هي الحياة، ابطالها ممثلون يمشون على خيط رفيع الى الهاوية او جنة الله العالية. القى بروحه ذات كآبة من ذروة الياس، الى قاع القنوط، ليبتهج بنهايته، لكن لعبته جاءت مخيبة لآماله، ما فعله كان مجرد تمرين وهمي، عصف ذهني، ادرك بعدها، ان السعادة، في ان تركل الكرة الارضية بحذائك، ان تمشي في جنازة طموحك، ان تفتح بيت عزاء دائم لاحلامك، ان تتطهر من رغباتك، وتفطم غرائزك. رثى لاولئك الذين يبتهجون بالحرية، مع انها قيد ناعم، لا تختلف عن قيد العبودية الخشن، وبكى حالة التباين بين المتنعمين ذوي «المناقير الطويلة» الذين يلتقطون الفاكهة من اعالي الاشجار، فيما يكتفي الفقراء المقصوصة أجنحتهم بالنظر اليهم او التنعم بما يتساقط من اشداقهم وتساءل كيف يسعد الاثرياء بالتخمة، ويصمت الجياع على الفاقة؟!. الالم يُّعمق الاحساس بالحياة، والسعادة المطلقة تُسّطحها. وعندما نوزن المعادلة، نصاب بالدهشة فالثوار حاملو صليب الآم الناس وتطلعاتهم تراهم يموتون مبكرا، والطغاة مصاصو دماء الناس، وسارقو سعادتهم يبلغون ارذل العمر، ثم يموتون على ارائك مريحة في قصورهم الفخمة. الحقيقة الوحيدة المُسلم بها ان الجميع ينزلون عدة بوصات تحت الارض، على سلم الموت الاسود لكن شواهد القبور تتآكل مع الايام، وعوامل التعرية تتكفل بمحو اسماء ساكنيها، وطمس هوياتهم، وهناك في ظلمات المقابر تنعدم القدرة على التمييز بين القديس والخسيس، البطل والخائن، الصالح والزنديق، فالجماجم البشرية متشابهة، والعظام متطابقة. من الحكمة ان تقرأ ساعتك البيولوجية الداخلية باركانها الاربعة، الجسد، النفس، العقل، الروح، ولا تُعّول على ساعة معصمك فالحكماء يغوصون في دقائق الزمن، اما اصحاب الساعات الثمينة فانهم يتعلقون بقشور الايام. التناقض الاكثر وضوحا في التاريخ. ان المصلحين يحتلون صفحاته البيضاء في حين يحتل الطغاة صفحاته السوداء ويجلسون قبالتهم في الكتاب ذاته وكلا الطرفين يتربعان على كومة من ورق سريع الاشتعال،قابل للعطب، سهل التحوير والتزوير. الجميل والبشع، ثنائية الاضداد، الاثنان من ِجبِلةٍ واحدة. الاول كينونة مجبولة بالمسك، نبت من ملح الارض، وسيم الطلعة، جميل الطلة، على خُلقَ وثقافة، شكواه الدائمة قحط نسائي دائم، الاخر دميم الخلقة، ذميم الاخلاق، علته الدائمة وفرتهن المستمرة. التناقض الابشع يبرز في دول تقتل خيولها وفرسانها، وتُهّمش علماءها، وتسجن مبدعيها، وتُشرد اصحاب الكفاءات فيها، ومن بقي منهم على قيد الجوع، لا يجدون مكانا على رصيف، زوايا المقاهي مقارهم، والحانات ملاذهم اليومي، فيما يتصدر الواجهة بيادق الشطرنج، ويسيطر على مفاصلها العاطلون عن الوطن. الاغرب ان الُنطف الساكنة في اصلاب «الُنخبْ» مراكزها القيادية محجوزة قبل الولادة، فيما الغالبية الراكدة على ضفاف العوز،تقف في طوابير الانتظار، بانتظار فرصة قد تأتي، ولن تأتي. لوحة قاتمة حالكة السواد، لكنها الحياة جديرة بالحياة، ولكي تحياها بجدارة عليك ان تخلع عالمك العتيق المغطى بالعفن، ولا يكون ذلك الا بان تخرج من شخصيتك الرخوة كالعجين حتى لا تغرق في ملعقة ماء، وأن تعيش فلسفة الصوان الذي لا تبريه الريح، فهناك الكثير مما يجب ان تأكله النيران، وتذروه العواصف، وتبلعه البحار.

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :

ابو منصور20-03-2009

"أتحسبُ أنّكَ جُرْمٌ صغير== وفيكَ انْطَوَى العالمَ ُالاكبر ُ"



اخي ابو محمد ،بعد قراءة المقال تذكرت بيت الشعر السالف - واظنه لابن عربي - واحسبه من طينة تناسب بناء المقال .

1) هذه رحلة (جوانية) معظمها داخل الذات الخاصة واقلها في الذات الخارجة العامة . سلسلة من الاضداد "ج
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.