قمة بغداد تعمق الانقسام العربي (2-2)

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2012-02-15
1437
قمة بغداد تعمق الانقسام العربي (2-2)
نقولا ناصر

 في الرابع من الشهر الجاري, كتبت صحيفة "ذى سعودي غازيت" الرسمية باللغة الانجليزية في افتتاحية لها أنه "من المستحيل عقد قمة في بغداد". وحسب البرقيات الدبلوماسية الامريكية التي سربها موقع ويكيليكس نسب إلى خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز القول إن الولايات المتحدة قدمت العراق إلى إيران "على طبق من ذهب" ووصفه رئيس الوزراء العراقي الحالي نوري المالكي بأنه "إيراني 100%" ودعا إلى "قطع رأس الأفعى" في إيران. وهذه التصريحات, إن صدقت, إنما تؤكد فقط السياسات الممارسة فعليا للعربية السعودية وشقيقاتها في مجلس التعاون الخليجي, وهي سياسات تتمحور حول ترتيب للأولويات الاقليمية يكمن في صلب الاستقطاب والانقسام العربي الراهن, خاصة حول الأزمة السورية التي يتحمل المجلس ودوله مسؤولية رئيسية عن استفحال الأسباب الداخلية المشروعة لها حد تعريبها في الظاهر كمخرج عربي محتمل لتدويلها يلتف على تكرار استخدام "الفيتو" المزدوج الروسي - الصيني مرتين لمنع تدويلها عبر مجلس الأمن الدولي.

وفي هذا الترتيب للأولويات الاقليمية يكمن الاستقطاب العربي الراهن الذي يهدد بانقسام يطول أمده يعطل أي عمل عربي مشترك في المدى المنظور.

وإذا انعقدت قمة بغداد الشهر المقبل ونجحت دول مجلس التعاون في استصدار قرار منها بالاستمرار في تعليق عضوية سورية في الجامعة, فإنها ستكون مفارقة تاريخية حقا, تذكر بان الأولوية العربية في عزل دولة الاحتلال الاسرائيلي التي جعلت الجامعة تعلق عضوية مصر فيها إثر توقيعها اتفاقيات كامب ديفيد في قمة بغداد عام 1978 قد انقلبت الآن على تلك الأولوية لتمنح الأولوية لعزل إيران وتعلق عضوية سورية في الجامعة بسبب تحالفها معها في مواجهة دولة الاحتلال الاسرائيلي.

فالاستقطاب العربي الراهن ينقسم بين المجموعة العربية التي تقودها العربية السعودية برأس رمح قطري وتعتبر أن الأولوية العربية يجب أن تمنح ل¯"قطع رأس الأفعى" الايرانية وبين مجموعة أخرى تقودها سورية تعتبر أن الأولوية العربية يجب أن تمنح لتحرير الأراضي العربية التي تحتلها دولة الاحتلال الاسرائيلي في سورية وفلسطين ولبنان, ومن الواضح أن الأولوية الأولى تسالم دولة الاحتلال الاسرائيلي حد التنسيق المعلن أو المستتر معها بحكم الأمر الواقع ضد إيران, وأن الأولوية الثانية تكاد تتحالف مع إيران حتى ضد المجموعة العربية الأخرى, وليس ضد دولة الاحتلال الاسرائيلي فحسب, طالما لم تجد حلا عادلا سلميا لتحرير أراضيها المحتلة.

إن الصراع العربي - العربي بين الأولويتين كما يبدو يسوغ لمجلس التعاون الخليجي تحويل سورية إلى ساحة حرب اقليمية ودولية بالوكالة العربية أو المحلية تنطوي على خطر ملموس يتفاقم على الدولة السورية ووحدة أراضيها الاقليمية, ولا يسع المراقب إلا أن يتساءل عما إذا كان هذا الصراع ذاته يسوغ لسورية أيضا أن تقوم بدور مماثل في أي من دول مجلس التعاون الخليجي !

وإذا كانت المخاوف العربية الخليجية من خطر إيراني هي مخاوف مشروعة في ضوء وراثة إيران الاسلامية للهيمنة الامريكية في العراق ووراثتها لاحتلال نظام الشاه للجزر العربية الاماراتية في الخليج العربي, ناهيك عن احتمال لم يتأكد حتى الآن من تحول إيران إلى قوة عسكرية نووية, فإن المخاوف الأمنية الايرانية, خاصة السورية, من مخاطر وجود نظام سياسي في بغداد موال للولايات المتحدة, الراعي الاستراتيجي لدولة الاحتلال الاسرائيلي, هي أيضا مخاوف مشروعة كذلك, والاصطفاف الخليجي إلى جانب الولايات المتحدة اقليميا لن يخفف من المخاطر الايرانية التي تستشعرها دول الخليج العربية ولا من المخاطر الامريكية - الاسرائيلية التي تكتوي سورية بنارها منذ سنين ولا تستشعرها فقط, وهذا الاصطفاف الخليجي يقود المنطقة إلى حافة الحرب, ويوسع فجوة الخلاف العربي - العربي بحيث يتحول الحد الأدنى لأي تضامن عربي ضحية له, واصطفاف العراق الحالي ضد الموقف الخليجي من الأزمة السورية بدافع علاقاته الايرانية الوثيقة هو دليل دامغ على النتائج العكسية لموقف مجلس التعاون لدول الخليج العربية من الأزمة السورية, التي ربما ما كانت لتتحول إلى أزمة محلية واقليمية ودولية لو كان هذا الموقف مختلفا.

وفي هذا السياق اللافت للنظر تصريح للمعارض السوري هيثم مناع قال فيه: "في الخليج توجد حملة ضد الايرانيين. وهذا قد يعني أن بلدان الخليج سوف تحاول تحويل سورية إلى ساحة معركة ضد إيران. لكننا نرفض أن نصبح ضحايا لحرب بالوكالة".

لقد حان الوقت لتدخل الحكماء العرب والدوليين لوقف عملية الانتحار العربي الجماعية الجارية هذه, فهي إن استمرت لن تبقي للأمة وشعوبها لا دولا مستبدة ولا ديمقراطية, ولا ملكية ولا جمهورية, وجدير بالحراك الشعبي العربي الذي يجري حرفه عن مساراته المتوقعة المشروعة وزجه في هذا الصراع الذي لا مصلحة له فيه ان يستثمر قوة زخمه لوقف تدمير البيت العربي على كل من فيه, فهذه مهمة تتعلق بوجود الأمة نفسها لا بنوعية انظمة الحكم في دول تجزئتها.

لقد فوت قطبا الاستقطاب العربي الراهن فرصة تاريخية للبناء على الأرضية المشتركة لاعتبار الاحتلال الامريكي للعراق "احتلالا أجنبيا غير مشروع" كما صرح العاهل السعودي الملك عبد الله عام ,2007 يعزز الاحتلال الآخر الاسرائيلي غير المشروع غربي المشرق العربي, لكن الصراع بين الأولويتين السعودية والسورية فوت فرصة التضامن العربي على ترتيب موحد للأولويات العربية. 

إن تصريح سفير الولايات المتحدة في بغداد, جيمس جيفري, أواخر الشهر الماضي بأن العراق "يظل البلد الأكثر ديمقراطية في الشرق الأوسط", وهذا وصف أمريكي كان دائما حكرا على دولة الاحتلال الاسرائيلي, يتناقض تماما مع التقييم السعودي للوضع في العراق, هو تصريح يجب ان يذكر كل أطراف الاستقطاب العربي الراهن بأن التحريض الامريكي على تأليف جبهة أمريكية - إسرائيلية - عربية ضد إيران يظل في صلب الانقسام العربي الذي يتفاقم عشية قمة عربية مقررة قد تنعقد وقد لا تنعقد في بغداد.

لقد نشرت صحف بريطانية مؤخرا أجزاء من تقرير طبي عن بكتيريا فتاكة جديدة آكلة للحوم البشر تنتقل بالعدوى حيث يزدحم البشر, وهي آخذة في الانتشار, والاسم الذي يطلق على هذه البكتيريا هو "يو اس ايه - 300", وهذه ذاتها هي الأحرف الأولى للولايات المتحدة الامريكية, فهو امر لافت للنظر, ويذكر العرب بأن جرثومة فتنة سياسية تحمل الاسم ذاته قد استفحل انتشارها بينهم وهي تنخر في أجسامهم حتى العظم حتى تكاد تقضي عليهم إن لم يتداركوا أمرهم قبل فوات الأوان.

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.