تحالف القاعدة الأفغاني يتجدد ضد سورية

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2012-02-27
1502
تحالف القاعدة الأفغاني يتجدد ضد سورية
نقولا ناصر

 
إن الساعين إلى "تغيير النظام" في سورية, "طوعا أو كرها" بعد أن أحبط حق النقض "الفيتو" الروسي والصيني جهودهم لانتزاع شرعية من مجلس الأمن الدولي تمكنهم من تكرار السيناريو الليبي في سورية, لم يجدوا أمامهم سوى خيار تكرار السيناريو الأفغاني الذي استخدموه خلال ثمانينيات القرن العشرين الماضي لإخراج القوات السوفييتية من أفغانستان, عندما أنشأوا تحالفا عربيا دوليا بقيادة أمريكية لـ "اصدقاء القاعدة", وهو التحالف ذاته الذي يتكون منه اليوم مؤتمر "أصدقاء سورية" الذي استضافته تونس أواخر الأسبوع الماضي.

في أفغانستان آنذاك, كما في سورية اليوم, كان الفيتو الروسي بالمرصاد لأي تدخل عسكري أجنبي نظامي, فكان اللجوء إلى "الجهاد" بقيادة القاعدة, بتسليح أمريكي - غربي وتمويل عربي خليجي ودعم لوجستي واستخباري من الدول المؤتلفة بما يمكن تسميته بـ "تحالف القاعدة الأفغاني" هو الحل الذي نجح فعلا في تحقيق هدفه. ومن تابع بيان مؤتمر "أصدقاء سورية" بتونس, وتوصياته, ومعطياته ومقدماته لا يساوره أي شك في توجه هؤلاء "الأصدقاء" - الذين لا تحتاج سورية بمثلهم إلى اعداء - إلى إحياء سيناريو القاعدة الأفغاني ضد سورية.

طبعا لم يصدر لا عن القاعدة ولا عن "أصدقاء سورية" ما يؤكد وجود تنسيق بينهما ضد سورية, غير أنه ليس من السهل على قطر نفي وجود تنسيق كهذا في ضوء التقارير الاعلامية عن تنسيق مماثل في ليبيا مع قيادات "كانت" في القاعدة وعن وساطة قطرية بين طالبان الأفغانية وبين الولايات المتحدة, لكن الاتفاق العلني بين الجانبين على إسقاط النظام الحالي في سورية يحولهما بحكم الأمر الواقع إلى حلف يرجحه تحالفهما الأفغاني السابق, وهو حلف إن توفرت الأدلة عليه فإنها سوف تمزق أسطورة القاعدة كذريعة للحرب الأمريكية العالمية على ما تصفه بـ "الارهاب" في الوطن العرب والعالم الاسلامي. وإذا كانت تصريحات "أصدقاء سورية" عن تسليح "المعارضة" تعاني من حالة "إسهال" فإن هناك وفرة أيضا في الأدلة القاطعة على مشاركة القاعدة في التسليح وفي العصابات المسلحة على حد سواء, وليس آخرها تأكيد زعيم القاعدة أيمن الظواهري لهذه المشاركة في الثاني عشر من الشهر الجاري.

إن إعلان فرع القاعدة في العراق عن مسؤوليته عن آخر موجة تفجيرات وهجمات في بغداد وغيرها من الحواضر العراقية يذكر بحقيقة ان القاعدة لم يكن لها وجود في العراق إلا بعد الغزو فالاحتلال الأمريكي, وأن استمرار نموها في ظل الاحتلال وبعد انسحاب قواته المقاتلة, وإدانة المقاومة الوطنية العراقية المتكررة لمثل هذه الهجمات التي تنفذها القاعدة, هي حقائق لها تفسير واحد, وهو أن تحالف القاعدة الأفغاني قد استقدم واستخدم القاعدة ضد استفحال النفوذ الايراني ويستخدمها اليوم لمنع هذا النفوذ من ضم العراق إلى جبهة مقاومة له تمتد من إيران إلى سواحل البحر الأبيض المتوسط. 

غير أن سيناريو القاعدة الأفغاني الذي نجح في إخراج القوات السوفييتية من افغانستان سوف يفشل في سورية, لسبب بسيط واحد رئيسي, وهو أن القوات السوفييتية كانت قوات احتلال هناك, كما هي القوات الأمريكية تحت مظلة حلف الناتو اليوم, ولأن مقاومة الاحتلال الأجنبي كانت حركة تحرر وطني تحظى بالدعم الشعبي وشرعية القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة, وكان انتصارها حتميا ومؤكدا سواء قادتها القاعدة وطالبان هو غيرهما, بينما الوضع على النقيض في سورية اليوم, حيث يهدد هذا السيناريو باحتلال أجنبي لسورية, من المؤكد أن الشعب العربي السوري العريق في مقاومته للاحتلال الأجنبي, وطنيا وقوميا ودوليا, سوف يقاومه بكل وسائل الدفاع الوطني, مدعوما بشرعية القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة و"أصدقاء" سورية الحقيقيين, وسوف يكون انتصاره حتميا ومؤكدا كذلك. 

فسيناريو القاعدة الأفغاني ضد سورية ليس موجها ضد قوة احتلال أجنبية, بل موجه ضد نظام قاوم ودعم المقاومة ضد الاحتلال الأجنبي الاسرائيلي في الغرب والأمريكي في الشرق, وكان جيشه من الجيوش العربية القليلة التي خاضت حروبا متتالية ضد الاحتلال الأجنبي, ولا يزال حتى اليوم هو الجيش العربي الوحيد في حالة حرب فعلية مع دولة الاحتلال الاسرائيلي, رغم الهدنة التي طال أمدها بعد حرب تشرين عام ,1973 ولهذا السبب على وجه التحديد يبحث تحالف القاعدة الأفغاني الجديد, باسم "تحالف أصدقاء سورية", عن سيناريو ليبي مرة وافغاني مرة أخرى وبدائل اخرى في مرات مقبلة لن تتوقف حتى تتوقف سورية عن كونها القطر العربي الوحيد في دول الطوق العربية الذي لم يوقع معاهدة "سلام" مع دولة الاحتلال, وهذا الانفراد لا يزال يمثل العقبة الكأداء أمام هيمنة السلام الأمريكي - الإسرائيلي إقليميا, بغض النظر عمن يقود النظام في دمشق, وربما لهذا السبب تجري شيطنة الجيش العربي السوري ليوصف بأنه "آلة قتل" لشعبه ويوصف الحكم في سورية بأنه "أصبح أشبه بسلطة احتلال" .

وفي سياق الحديث عن التضليل الاعلامي, يكاد دفق تصريحات "أصدقاء سورية" عن التهديد بالحرب, والتدخل العسكري الأجنبي, وإرسال قوة "حفظ سلام" دولية أو عربية, و"الممرات الانسانية", وتسليح "معارضة" يريدون اصطناعها وتوليدها قيصريا, لكنها لم تولد بعد لتكون جديرة باعتراف "مؤتمر أصدقاء سورية" بها أو لدعوتها لحضور القمة العربية المقررة في بغداد الشهر المقبل, لتزييف إرادة الشعب السوري ومعارضته الوطنية الحقيقية الرافضة علنا وتكرارا لكل ذلك ليصطنعوا منها ممثلا شرعيا وحيدا للشعب السوري.

ويكاد كل ذلك وغيره يحجب حقيقة أن الحرب قد بدأت ضد سورية منذ الأيام الأولى التي اختطفت "العسكرة" الاحتجاجات الشعبية للمعارضة الوطنية, وحقيقة أن كمية ونوعية السلاح الذي اختطف تلك الاحتجاجات منذ أيامها الأولى يؤكد بأن التسليح كان مخططا ومتوفرا وواقعا على الأرض وليس "فكرة ممتازة", كما قال الفيصل في تونس, لا تزال بانتظار من يتطوع لتنفيذها, أو مشروعا مستقبليا يسعى "أصدقاء سورية" إليه بعد حوالي عام من التسليح الفعلي الواسع الذي دفن الحراك الشعبي والمعارضة الوطنية تحت أنقاض البنى التحتية والمنشآت العامة التي دمرها وتحت جثث آلاف الشهداء من العسكريين قبل المدنيين.

وفي سياق الحديث عن التضليل أيضا يندرج تصريح وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون بأن التدخل العسكري في سورية "قد استبعد تماما", والتصريح المماثل لأمين عام حلف الناتو أندرس فوغ راسموسن الذي استبعد ذلك حتى لو كان بتفويض من مجلس الأمن الدولي, فمثل هذه التصريحات تحجب حقيقة التدخل السافر الجاري فعلا بالسلاح والمال والسياسة والاقتصاد والاعلام وبالدعوة العلنية إلى "تغيير النظام" و"تنحي الرئيس".

ومن الواضح الآن أن تحالف القاعدة الجديد يخير سورية بين إنهاء انفرادها الشاذ عن الانضمام للمنظومة الأمنية الأمريكية - الإسرائيلية الإقليمية تحت مظلة حلف الناتو وبين حرب غير نظامية متطاولة, "لاحراق سورية من الداخل" كما قال نظير كلينتون الأسبق هنري كيسنجر لصحيفة نيويوركر مؤخرا, تمهد لعدوان عسكري أجنبي نظامي بانتظار توفر ظروف أفضل تسمح بعدوان كهذا

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.