عودة إلى التاريخ مع معركة الكرامة وما لا يحتمل في أقوال

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2009-03-22
4156
عودة إلى التاريخ مع معركة الكرامة وما لا يحتمل في أقوال
طاهر العدوان

تعيدنا معركة الكرامة المجيدة الى التاريخ وهي مناسبة وطنية وقومية يحيي بها الاردنيون كل عام ذكرى ابطالهم وشهدائهم الذين انقذوا تراب الوطن من احتلال اسرائيلي مخطط له, والذين اعادوا ايضا لمصر وسورية وللدول العربية جميعاً روح الصمود والمقاومة بعد ان تمرغ شرف الامة وكرامتها في وحل هزيمة حزيران عام .1967

لا تقل معركة الكرامة في اهميتها التاريخية والاستراتيجية عن معركة السويس عام ,56 عندما قامت بريطانيا وفرنسا واسرائيل بغزو سيناء ومدن القناة, وادت نتائجها السياسية الى انسحاب القوات المعتدية من جانب, والى اطلاق (مارد) القومية العربية من جانب آخر.
 
لو كان الاردن بحجم مصر, وبقدراتها السياسية والاعلامية لكانت ذكرى »الكرامة« مناسبة للاحتفال بها سنوياً في القاهرة ودمشق وليس في عمان فقط. فعلى ارض الكرامة وفي غور نمرين وعلى سفوح مرتفعات البلقاء تحطم غرور الجيش الاسرائيلي, الذي كانت دباباته قبل تسعة اشهر فقط تهرول في فضاء مفتوح عبر سيناء والجولان والضفة الغربية, واذا بهذا الجيش بعد ساعات من عدوانه يستغيث طالباً وقف اطلاق النار لكن الملك الراحل الحسين رفض ذلك قبل رؤية آخر جندي ينسحب مندحراً عبر النهر.
 
***
 
وللكرامة اهميتها التاريخية والاستراتيجية كمعركة من معارك الامة, وليس من معارك الاردن فقط (1) لقد قضت على الاثار النفسية للهزيمة وحطمت آمال قادة اسرائيل بان العرب جاهزون للاستسلام حيث كان وزير الحرب الصهيوني موشي ديان قد اعلن بانه ينتظر الى جانب هاتفه اتصالا من الزعماء العرب (2) معركة الكرامة اعادت للدول العربية الثقة بقدرات جيوشها على مواجهة اسرائيل, واعادت للشعب الفلسطيني الثقة بان ضياع كامل ترابهم الوطني لا يعني خاتمة المطاف وان طريق المقاومة اصبح مفتوحاً على مصراعيه. لقد ظن الجنرال ديان بان الجيش الاردني لن يساند رجال المقاومة وسيقف متفرجا امام حملته للقضاء على الخلايا الاولى للمقاومة في مخيم الكرامة وسيقف عاجزاً عن مواجهة »الجيش الذي لا يقهر«, وكانت المفاجأة التي اذهلته ان الاردن بقيادته وجيشه وشعبه كانوا متعطشين لمواجهة وتحطيم غروره.
 
وبينما كانت العواصم العربية تدعم المقاومة الفلسطينية بالاناشيد والخطب كان الملك الحسين يقود الجيش الاردني في معارك يومية مع العدو الصهيوني يوفر فيها الغطاء لعمليات المقاومة عبر النهر ويقوم بالدفاع عن ارض الاردن امام ردات فعل العدو وغاراته البرية والجوية.
 
***
 
ولأن الاردن ليس بحجم اي دولة عربية كبيرة, ولا يملك قدراتها الاعلامية لم تُعْطَ معركة الكرامة ما تستحق من تخليد الامة لذكراها, رغم مفصليتها التاريخية والاستراتيجية وهو امر يشعرنا دائماً بالغصة والالم, فتجاهل تضحيات الاردن ومواقفه اصبح نهجاً, ما دام المتجاهلون او المنتقدون, مقتنعين بان التجني والتهجم والنيل من رموزنا الوطنية لا يهدد مصادر تمويلهم ولا يجلب لهم حظوة او منبرا.
 
***
 
وتعيدنا معركة الكرامة الى التاريخ لنقف مع الاستاذ محمد حسنين هيكل في بعض محطاته التي سردها في حلقته يوم الخميس الماضي. ولا اريد ان اجادل في ما يعرضه من وثائق فتلك مسألة مثل »لا تقربوا الصلاة« تحتاج الى وثائق اطراف اخرى شركاء في الحادثة التاريخية, وهي مهمة المؤرخ وليس الصحافي, فالحقيقة لها اكثر من وجه, ولا شك بان الاستاذ هيكل بارع في قراءة وتوظيف »الوثائق التاريخية« التي يحصل عليها في سياق مواقفه الفكرية والايديولوجية, وهو سياق يهز مصداقيته وحياديته لان مصر عبد الناصر كانت في حالة صدام مع الملك حسين. وعلى سبيل المثال, لو أُعطيت وثيقة الشهيد »عبدالمنعم رياض« الى مؤرخ او سياسي يعتمد الموضوعية لاعطى الملك الراحل ما تجنب هيكل ان يعطيه, ومن ذلك »1« لو ان القيادة العسكرية المصرية بقيادة عبدالحكيم عامر وقفت جديا وبمسؤولية وطنية وقومية امام تحذيرات الملك لكانت الامة العربية قد تجنبت اخطر حدث مفصلي في تاريخها الحديث وهو هزيمة حزيران التي منحت اسرائيل شهادة ميلاد حقيقية ووضعت تحت سلطتها العسكرية والسياسية قدرات غير مسبوقة لانجاز مشروعها وفرض شروطها على المنطقة.
 
ومن ذلك »2« ان تجاهل القاهرة لنصيحة الملك الراحل انحدر بالوضع العربي الى حالة لم يستطع الخروج منها حتى اليوم, فآثار تلك الهزيمة من احتلالات في فلسطين والجولان لا تزال تمثل التهديد المستمر لامن وحاضر ومستقبل العرب, وان الثمن الذي دفعه العرب جميعا في حرب حزيران لا يزال يُدفع حتى اليوم, فيما يتجاهل هيكل مهمة تحديد المسؤوليات عن هذه الكارثة.
 
ويرى في تحذيرات الملك للقاهرة نوعاً من (الطيبة) وكأنها مسألة اخلاق وعلاقات شخصية, بينما هذه التحذيرات تؤكد الوعي السياسي والقومي الكبير للحسين, وتسجل له موقفاً تاريخياً, لانه صادر عن ملك يشعر بالقلق على مستقبل شعبه وامته. وبالخوف على القدس والضفة وعلى مصر وسورية, وهي مشاعر مثقلة بروح المسؤولية التي يتحملها الزعماء الحقيقيون الذين يتعالون على الخصومات, وهو ما فعله الحسين عندما حذّر خصومه من الزعماء العرب بآفاق الخطر المقبل والكارثة المحققة ان لم يرتقوا لمستوى المسؤولية.
 
***
 
لا نناقش في »وثائق« هيكل لان قيمتها والحكم عليها يتطلب قراءة الاف الوثائق الاخرى حول حرب حزيران, ولا نناقش من اجل طلب الانصاف والعدل في قراءته لمواقف الاردن وملكه الراحل لاننا نعرف الخلفية التي تقوده الى ما يتهم وما يحلل ويقرأ في تاريخ مرحلة لم تكن فيها عمان والقاهرة على وفاق وانما كان هناك تنافر ومواجهة واحيانا خصومة شديدة.
 
لكن بعض ما قاله هيكل ذهب به الى ابعد مما يُحتمل وما لا يُسمح بتجاوزه او السكوت عليه, فلقد اوغل في المس بالمشاعر الوطنية لجميع الاردنيين عندما وصف الاردن بانه »كيان مصطنع« خلقه تشرشل ليعزل المشروع الصهيوني عن منابع النفط. وكأن هذا الوطن »عربة كرافان« صنعت في بريطانيا وقطرت عبر السويس الى هذه المنطقة لتكون كيانا مصطنعا!.
 
- الاردن جزء رئيسي من تاريخ بلاد الشام, تماما مثلما هي النوبة ومملكة طيبة في الصعيد جزءاً من مملكة الفراعنة, والاردنيون هم احفاد ابطال اليرموك ومؤتة ومملكة الانباط, وقبل ذلك العمونيون الذين خاضوا معارك تاريخية ضد العبرانيين كما ورد في التوراة وكتب التاريخ.
 
ومن التجني ان يقال بان الاردن كيان مصطنع, والاصوب ان يقال انه جزء من بلاد الشام التي لا تزال دولها مجتمعة ضحية التقسيم الاستعماري.
 
- والاردن هو الدولة التي بقيت من المشروع القومي لدولة »الثورة العربية الكبرى« التي تمتد من جبال طوروس شمال سورية الى بحر العرب, واذا كان هناك من ضحايا لاتفاقية تقسيم الامة »سايكس - بيكو«, فان اكبر ضحية هي دولة الثورة العربية الموحدة التي عمل من اجلها الهاشميون سعيا لتوحيد الامة وانقاذها من التخلف والتجزئة والاستعمار العثماني. فالهاشميون, قادة الثورة, كانوا طلاب وحدة عربية وضحية غدر الاستعمار وانصار الصهيونية.
 
- ان اتفاق الامير عبدالله مع تشرشل لانشاء امارة شرق الاردن, كان عند الزعيم الهاشمي مجرد اتفاق سياسي يضع موطىء قدم له على ارض بلاد الشام لاسترداد المملكة العربية السورية, التي قضى عليها الجنرال الفرنسي غورو, وكان على هيكل, حتى يكون امينا في »وثائقه« ان لا يأخذ بما كان يخطط له وزير المستعمرات البريطاني كحقائق, انما كان عليه ان يسلط الضوء على ما كان الامير عبدالله الاول يعد له ويسعى لانجازه وهو اعادة قيام المملكة السورية في جميع بلاد الشام وليس خلق كيان مصطنع.
 
***
 
كلمة اخيرة لقد تعود الاردن على حملات التجني الخارجية, لكن ما يؤلم ان كل ذلك لم يولد روح التحدي في الدولة ومؤسساتها, ليس باطلاق حملات الردح, انما بالتصدي لمهمة وضع قراءة اردنية للوقائع والاحداث بالمعلومات والوثائق والشواهد, بالكتب والدراما والبرامج الاعلامية بما يوضح تاريخ السياسة الاردنية, ظاهرها وباطنها, ومحاكمتها بالنتائج والمواقف لا بسرد »الحواديت«.وبالنظرة الشاملة لحركة التاريخ على ارضية صراع امتلأت بالاسرار والالغاز وبالمؤامرات وليس بالمصائد فقط.0
أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :

سؤال19-03-2012

هل هذا صحيح لاني بدي اياه للمعلمة ارجوكم اعطوني جواب وشكراً
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.