النموذج اليمني للتغيير لا يغير وليس يمنيا

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2012-03-05
1330
النموذج اليمني للتغيير لا يغير وليس يمنيا
نقولا ناصر

 في بيان صادر عن البيت الأبيض في الخامس والعشرين من الشهر الماضي قال الرئيس الامريكي باراك أوباما إن اليمن "يمتلك إمكانية العمل كنموذج لكيف يمكن أن تحدث عمليات الانتقال السلمي" للسلطة وإلى "الديمقراطية", واعتبر مؤتمر "أصدقاء سورية" الذي استضافته تونس مؤخرا أن هذا النموذج يصلح لحل الأزمة السورية "على الطريقة اليمنية", وأيد برهان غليون رئيس مجلس المعارضة السورية في الخارج فكرة تطبيق هذا النموذج على الوضع في سورية, وفي الثاني والعشرين من كانون الثاني الماضي اعتمدت جامعة الدول العربية "النموذج اليمني" أساسا لخطتها لحل سوري مماثل, تبنته الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وفشل كلاهما مع دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية التي اقترحته في تحويله إلى قرار لمجلس الأمن الدولي حتى الآن.

إن الفشل في تطبيق "النموذج اليمني" على الحالة السورية قد لا يكون كافيا لإقناع اصحابه بفشله كنموذج يحتذى به عربيا, لكن نجاحه في تحقيق انتقال "سلمي" للسلطة اليمنية يخفي حقيقة فشله كنموذج في تحقيق الانتقال إلى "الديمقراطية" والتغيير والاصلاح في اليمن ذاتها, حيث تحول "الانتقال السلمي" للسلطة إلى "مرحلة انتقالية" تؤجل عمليا التغيير والاصلاح والديمقراطية لمدة سنتين, في الأقل, هي مدة الفترة الانتقالية. إن إصرار "شباب الثورة" على مواصلة "الثورة" خلال المرحلة الانتقالية يؤكد أيضا بان "النموذج اليمني" قد "أجل" كذلك تحقيق أهداف الثورة اليمنية في التغيير والاصلاح.

وهذه النتائج العملية الملموسة لل"نموذج اليمني" دليل واضح على أن الهدف منه هو الالتفاف على الضغط الشعبي من أجل "تغيير النظام" الحاكم, بتغيير عنوانه فحسب, وليس الهدف منه الديمقراطية أو التغيير أو الإصلاح, مما يذكر بأن هذا النموذج كان في الأصل اقتراحا لدول مجلس التعاون الخليجي, غير المعنية أصلا بالديمقراطية والتغيير والإصلاح, وهي استحقاقات ملحة فيها أكثر مما هي في أي بلد عربي آخر لكنها مؤجلة إلى أجل غير مسمى, وغير معنية بتغيير الأنظمة غير الديمقراطية بل بتغيير الأنظمة التي تتعارض سياساتها وعلاقاتها الخارجية مع تحالف هذه الدول مع الولايات المتحدة الامريكية واستراتيجيتها الأمنية الاقليمية و"عملية السلام" التي ترعاها مع دولة الاحتلال الاسرائيلي في فلسطين المحتلة, مما يفسر الدعم الامريكي - الأوروبي ل"النموذج اليمني" الذي يتضح الآن أنه لم يكن يمنيا بينما لم يغير تطبيقه في اليمن سوى رأس الدولة, على الطريقة المصرية, حيث يجتهد أصحاب "النموذج اليمني" من أجل تطبيقه في مصر أيضا للالتفاف على الحراك الشعبي وقطع الطريق على أي تغيير وإصلاح حقيقيين في مصر, مما يوضح بأن هذا النموذج قد تحول إلى نموذج للثورة المضادة يستبق أي تغيير ثوري فعلي من المؤكد أن أصحاب النموذج اليمني لن يسلموا منه.

في الحادي والعشرين من الشهر الماضي نشر موقع "ستراتيجيك فوركاستينغ", أو "ستراتفور" - وهي من أبرز الشركات الاستخبارية الامريكية وتسمى في الأوساط الامريكية ب"الوجه المخصخص" لوكالة المخابرات المركزية الامريكية "سي آي ايه" - تقييما جاء فيه ان "اليمن يجرب الآن أي شيء إلا تغيير النظام" لأن "للولايات المتحدة والعربية السعودية تفاهما عاما متبادلا على أن محاولة تفكيك النظام ستخلق مشاكل أكثر مما يستحق الأمر... فلا الولايات المتحدة ولا العربية السعودية تريد أن تطلق انهيار دولة هشة اقتصاديا... لذلك تحتاج الولايات المتحدة إلى المبالغة في نجاحات الانتقال السياسي في اليمن".

يوم الخميس الماضي نفى ديفيد إغناطيوس في الواشنطن بوست وجود "نموذج يمني يمكن نسخه بسهولة" لأن "كل قصة في الربيع العربي مختلفة" عن الأخرى, لكن أليس هذا هو بالضبط ما حاول ويحاول أصحاب هذا النموذج نسخه في سورية ومصر وتونس ?

في مقابلة صحافية معه مؤخرا لخصَّ مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن, جمال بن عمر, خصائص النموذج اليمني الذي يشرف على تنفيذه, ولا يمكن لأي مراقب أن يتفادى مقارنة هذه الخصائص بخصائص "النموذج اليمني" الذي يحاولون نسخه في سورية.

ففي اليمن, كما قال بن عمر, "هناك حوار مباشر بين الأطراف المتصارعة", وفي سورية يحرضون على عدم الحوار مباشرا كان أو غير مباشر.

وفي اليمن دعا قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2014 إلى "تسوية سياسية" وطالب "جميع الأطراف بعدم استعمال العنف", وفي سورية يحرضون على التدخل العسكري الخارجي عربيا كان أو أجنبيا أو مشتركا وتحت مسميات شتى وبذرائع مختلفة, ويسلحون ويمولون ويوفرون الدعم اللوجستي للعنف ضد الدولة.

وفي اليمن كان قرار مجلس الأمن الدولي "بالاجماع", وفي سورية لا يأبهون بأي إجماع دولي ويبحثون عن شرعية دولية موازية للأمم المتحدة وخارج إطارها لتسويغ تدخلهم فيها.

وفي اليمن "أكدنا أن أصحاب القرار يجب أن يكونوا يمنيين", وفي سورية يحاولون دون كلل فرض "النموذج اليمني" أو "الليبي" أو "العراقي" أو غيره عليها بقرار "عربي" أو "دولي".

وفي اليمن "كان هناك طرف دولي محايد مقبول من الطرفين", ممثل في الأمم المتحدة, وفي سورية يحرمون دمشق من حقها في اختيار طرف دولي محايد تقبل به للتوسط لا بل إنهم نجحوا في تحويل الجامعة العربية والأمم المتحدة المرشحتين للقيام بدور كهذا إلى طرفين في الصراع ضد سورية.

فهل حقا هو "النموذج اليمني" الذي يحاولون تطبيقه على الحالة السورية !

وفي اليمن سوف يظل اليمنيون طوال سنتين هي مدة الفترة الانتقالية تحت وصاية الأمم المتحدة التي تشرف على تنفيذ "النموذج اليمني", ومن التجربتين العراقية والليبية مع "إشراف الأمم المتحدة" لا يوجد ما يضمن ان تنتهي هذه الوصاية بنهاية العامين. وهي في الحالتين الليبية والعراقية وصاية غربية بقيادة أمريكية مدعومة من مجلس التعاون الخليجي تتستر بغطاء الأمم المتحدة. فهل هذا هو "النموذج" الذي يمكن أن يقبل به السوريون حقا !

إن "النموذج اليمني" الذي يروج له الرئيس الامريكي أوباما هو نموذج "نقل قسري" للسلطة مفروض من الخارج, حتى لو كان إخراجه "سلميا" و"ديمقراطيا", لكنه بالتأكيد لم يكن نموذجا للتغيير والاصلاح, وإذا كانت الحكمة اليمنية اقتضت الانحناء امام العاصفة, فإن الشعب العربي اليمني العريق في دفاعه عن حريته لن يستغرق وقتا طويلا قبل أن يمتلك سيادة قراره ليصنع نموذجه اليمني الوطني الذي يحقق أهداف حراكه الشعبي, فحرية القرار الوطني شرط مسبق لحرية المواطن, و"النموذج اليمني" الذي يجري التسويق له حاليا يفصل فصلا تعسفيا بين الحريتين.

مؤخرا, في مقال له, كتب شادي حميد مدير الأبحاث في مركز معهد بروكينغز الامريكي بالدوحة عن "نموذجين" عربيين للتغيير الديمقراطي, نموذج "إسقاط الرئيس في الجمهوريات" (تونس ومصر واليمن) ونموذج "الاصلاح الدستوري" في الملكيات العربية (المغرب والأردن). ولم يتطرق لا إلى النموذج الليبي الكارثي ولا إلى النموذج السوري الواعد الذي يجري التعتيم عليه ومحاولة وأده في المهد, وهو نموذج يعد يالاصلاح الدستوري وتغيير رأس الدولة معا, فلماذا يحلل لرأس دولة في الملكيات بأن يقوم بالاصلاح الدستوري دون أن يتغير ويحرم على رأس دولة جمهورية أن يقوم بالأمرين كليهما ?!.

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.