نتنياهو إذ يستحضر الأسطورة والتاريخ

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2012-03-07
1675
نتنياهو إذ يستحضر الأسطورة والتاريخ
عريب الرنتاوي

 أوصل رئيس الوزراء الاسرائيلي حملته التحريضية ضد ايران ذروتها في الخطاب الذي ألقاه أمام اللوبي اليهودي الأمريكي “الايباك”، فالرجل لم يُبق أسطورةً أو واقعةً تاريخية، الا واستحضرها لاقناع (اقرأ ابتزاز) محدثيه ومضيفيه، بالحاجة لشن حرب على ايران، يريد لها نتنياهو أن تأكل الأخضر واليابس.

عَرَضَ لاحجام الادارة الأمريكية عن توجيه ضربات جوية لمعسكرات الاعتقال النازية “أوشفيتس” في العام 1944، مُحملاً الولايات المتحدة، بصورة غير مباشرة، وزر المحرقة النازية، وفي اشارة سعى من ورائها لوضع الادارة الحالية في موقع الادارة تلك، وايران الاسلامية في مكانة ألمانيا النازية، محذراً من أن تردد الولايات المتحدة عن ضرب ايران، قد يفضي الى وقوع كارثة أو محرقة يهودية جديدة قبل أن يستدرك بالقول أن اسرائيل لن تسمح بذلك، وأن الولايات المتحدة تعترف بحق اسرائيل. في الدفاع عن نفسها بنفسها.

بدا “جنرالاً” في بزّة مدنية وهو يتوعد ايران بـ”الويل والثبور وعظائم الأمور” ان هي قررت امتلاك القنبلة، بضوء أخضر من واشنطن أو من دونه، وعندما أعيته الوقائع المعيشة التي تؤكد قدرة اسرائيل على تنفيذ وعدها ووعيدها، لجأ الى أسطورة أستير، المرأة اليهودية التي نجحت في وقف الموت القادم من بلاد فارس، في اسقاط تاريخي يراد به اظهار أن “حرب الابادة” التي بدأت قبل ألفين وخمسمائة عام، ما زالت مستمرة.

لقد كان خطاباً دعائياً وتحريضياً من طراز رفيع، استثار فيه الرجل غرائز وعواطف ومكامن القوة والضعف عن الجمهور الأمريكي، وبدا لمستمع مثلي، أن بينيامين نتنياهو وليس باراك أوباما، هو من يحكم اسرائيل، لقد بدا أقرب ما يكون لخطاب النصر على مُضيفه الأمريكي، لكأن الرجل انتزع ما أراد في زيارته المفصلية للولايات المتحدة.

وأحسب أن نتنياهو أراد الحصول على اعتراف أمريكي بـ”حق اسرائيل في الدفاع عن نفسها بنفسها”، وكان له ما جاء من أجله، والدفاع هنا يشتمل على شن حرب استباقية لمنع ايران من امتلاك القنبلة، أو حتى الاقتراب منها، وهو وان كان “ساير” الرئيس أوباما بقبوله المشروط، استمرار اعتماد الدبلوماسية في معالجة الملف النووي الايراني، الا أنه لم يفعل ذلك الا بعد نجح في ابتزاز العالم برمته، لفرض أشد العقوبات على ايران، ومما هو ليس مسبوقاً في تاريخ العقوبات الدولية، ومن دون أن تسحب واشنطن الخيار العسكري ضد ايران، من التداول.

لقد صار واضحاً، أن جلّ ما تريده ادارة أوباما من حكومة نتنياهو- باراك- ليبرمان، هو أن تباغتها بتوجيه ضربة عسكرية منفردة ضد ايران قبل الانتخابات المقبلة، حيث يكون رئيس الدولة الأعظم في أضعف حالاته، ولا أدري ان كان نتنياهو قد أعطى زعيم البيت الأبيض هذه الورقة أم أنه استبقاها في جيبه، للاستخدام أو الابتزاز، كما أننا لا ندري بعد، ما اذا كان نتنياهو قد نجح في قراءة ردة الفعل الأمريكية في حال تعرضت اسرائيل لهجوم ايراني رداً على قيام طائراتها بقصف منشآت نووية ايرانية، هل ستُفَعّل واشنطن سياسة الدعم “المقدس” لحليفتها المُدللة، أم أنها ستتركها تدفع ثمن حماقتها وحدها؟!.

اياً يكن من أمر، فان أهمية خطاب نتنياهو أمام الايباك لا تكمن فقط فيما قاله الرجل وأتى على ذكره، بل وتجلت أيضاً في ما لم يقله ولم يرد على لسانه كذلك، وهو كما هو معروف، لم يقل كلمة واحدة عن الاحتلال الاسرائيلي لأرض الفلسطينيين وحقوهم، وهو لم يتحدث عن السلام والمفاوضات وحل الدولتين، هو تجاهل وجود مشكلة فلسطينية واكتفى باطلاق صيحات التفوق الأخلاقي والقيمي والديمقراطية للدولة التي قال أنها الوحيدة في المنطقة، التي تشارك الغرب “منظومته القيمية”.

ايران، وايران وحدها، هي مبتدأ جملة نتنياهو وخبرها، هكذا كان في خطابات حملته الانتخابية قبل ثلاث سنوات، وهكذا هو اليوم، مع فارق رئيس واحد هو أن الرجل بدأ يستعد لمغادرة منصات الخطابة الى منصات اطلاق الصواريخ.

في هذه المناخات، لا أدري ان كان زعيم اليمين القومي الموغل في التشدد والغلو، سوف يجد فسحة من الوقت لقراءة الرسالة التي من المنتظر أن يحملها موفدو الرئيس عباس اليه في غضون الأيام القليلة القادمة، فالمسألة الفلسطينية ليست على أجندة الرجل، في المدى المرئي على الأقل، وعلى الفلسطينيين والعرب أن يتصرفوا على هذا الأساس.

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.