حماس وإيران

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2012-03-10
1287
حماس وإيران
عريب الرنتاوي

 تدير حماس علاقاتها مع إيران بقدر بيّنٍ من الإرتباك...خصوصاً حين تأتي المعالجات والتصريحات من قطاع غزة...تسمع شيئاً اليوم، ونقيضه غداً...تصريح يصدر عن هذا المسؤول اليوم، ليعقبه نفي وتوضيح يصدران عن ذاك غداً...لكأن المسألة برمتها باتت متروكة للإجتهادات الفردية، أو لكأن علاقة الحركة بإيران، قد أصبحت ملفاً من ملفات الخلاف الداخلي في الحركة.

مع إندلاع الأزمة السورية، لم تتوتر علاقات حماس مع دمشق وحدها...علاقة الحركة بطهران شابها فتورٌ شديد...إيران كانت تتوقع أن تصطف الحركة بقضها وقضيضها، خلف “نظام المقاومة والممانعة”، ولم لا تفعل ذلك، طالما أن ما يجري في سوريا، ليس سوى “مؤامرة” على محور إيران – سوريا – حزب الله وحماس (؟!)...الحركة لم تُجار الموقف الإيراني، وانتبذت منذ البدء، مكاناً قصيّاً عن الأزمة، نأت بنفسها عرفاناً بجميل النظام عليها من جهة ورغبة منها في حفظ العلاقة مع الشعب السوري من جهة ثانية.

إيران أدركت بعد حين، أن حماس لا يمكنها أن تحاكي حزب الله في مواقفه المساندة بصورة مطلقة وغير مشروطة للنظام السوري...فالحركة لا يمكن أن “تخرج عن جلدها” مهما بلغت أهمية “محور الممانعة” في تحالفاتها العربية والإقليمية، فهي وإن كانت آخر فرع يُعترف به للإخوان المسلمين، إلا أن مكانتها في قلب الحركة الإخوانية العالمية، تكاد لا تُجارى...والحركة لا يمكنها أن تصطف في خندقٍ مناهضٍ للغالبية السورية “السُنيّة” كرمى لعيون النظام، أو من باب رد الجميل فحسب...وثمة تحالفات عربية وتطلعات لعلاقات دولية، تحول دون اندماج حماس في محور طهران – دمشق...إيران أدركت كل ذلك، وباتت مستعدة للتعامل مع حركة حماس على هذا الأساس، مراهنةً على تغيير الظروف والاصطفافات حيناً، وعلى ما يجري من تفاعلات دخل الحركة أحياناً، فما لا يُدرك كُله، لا يُترك جُلّه في حسابات السياسة الخارجية والدور الإقليمي لطهران.

ولم تكن آخر زيارة لرئيس المكتب السياسي لحركة حماس، من طراز وشاكلة زياراته السابقة للعاصمة الإيرانية...فالرجل، وأمام حشد من القيادات الموالية لطهران، وعلى مبعدة ساعات من لقاء مقرر مع مرشد الثورة، حرص أتم الحرص على الدفاع عن خيار المصالحة، وعن مواقف الرئيس عباس منذ استحقاق سبتمبر، ما استثار غضب الإيرانيين، واستوجب إلغاء اللقاء الذي كان مقرراً مع السيد خامنئي.

مقابل ذلك، حرصت طهران أشد الحرص، على تمكين رئيس حكومة غزة المُقالة إسماعيل هنية، من إتمام زيارته لطهران، وتخطي العقبات والعراقيل و”النصائح” التي تلقاها في الدوحة والمنامة وغيرهما، بعدم تلبية الدعوة الإيرانية...هنيّة، وبعد طول تردد، حزم أمره وزار طهران، وعبّر فيها عن الشكر والامتنان للدعم الإيراني الأخوي والنزيه، وبدا أن العلاقات بين الجانبين، قد تخطت بعض أزماتها...وهو ما عَدّه البعض نجاحاً “للحكمة الإيرانية”، التي تراهن على كسب ود بعض حماس، إن هي أخفقت في كسب ودّها جميعها.

قبل أيام، خرجت تصريحات “غير دبلوماسية”، في ظني، و”غير موفقة”، منسوبة لبعض قادة الحركة في القطاع، وفيها “أن حماس لن تدخل حرباً مع إسرائيل إن هي شنّت عدواناً حربياً على إيران”...ليَرُدّ بعد يومين، مسؤولون آخرون بنفي هذه التصريحات، والتأكيد بما لا يدع مجالاً للشك، بأن حماس ستدخل الحرب، وستدخلها بكل قوة، إن قامت إسرائيل بالاعتداء على جمهورية إيران الإسلامية.

وفي ظني أن كلا التصريحين، جانبهما الصواب...فلا قرار الحرب والسلم، يمكن أن يؤخذ بهذه الخفّة والاستخفاف، ولا نحن معنيين ببعث طمأنينة إسرائيل إلى سلامة حدودها الجنوبية، طوعاً والمجان، إن قررت خوض الحرب من بعيد مع إيران...المؤكد أننا لسنا معنيين بأن نعلن حرباً من الآن على إسرائيل، وأن نقدم مصالح شعبنا وأرواح أبنائه وبناته، على هذا القربان، هكذا بصورة فردية، ومن دون تشاور مع أحد، حتى مع بقية أعضاء المكتب السياسي للحركة...هذا موضوع لا يعالج بالتصريحات المرتجلة والمستعجلة في الإعلام.

ثم، علينا أن نتواضع قليلاً ونحن نتحدث في أمر كهذا، وأن ننطلق من حدود القوة التي نمتلك في ساحة كهذه...كان يكفي القول أن أي عدوان إسرائيلي على إيران هو عدوان على الأمة الإسلامية والمجتمع الدولي، وهو انتهاك للقانون الدولي وتهديد للسلم والاستقرار...كان يمكن أن يقال أن نتضامن مع شعب إيران المسلم والشقيق وأننا سننتصر له بكل ما نقدر عليه...كان يمكن أن يقال بأن إيران ليست بحاجة لصواريخنا بدائية الصنع، فلديها قدرات ردعية كفيلة بشل اليد التي ستمتد إليها...كان يمكن أن يقال، لكل حادث حديث، وإن غداً لناظره قريب...كان يمكن أن نقول أي شيء، سوى أن نريح إسرائيل أو أن نعلن الحرب، وبكل قوة، مسبقاً.

وفي الحقيقة، فإن علاقة حماس بإيران، باتت تستحق بحثاً معمقاً ومسؤولاً، أولاً داخل الأطر القيادية لحركة حماس، لبلورة موقف موحد...وثانياً، في الإطار الوطني الفلسطيني، لأن هذه العلاقة، تتخطى في أهميتها ووزنها، الشأن الفصائلي إلى الشأن الوطني العام.

وإن جاز لي أن أدلي بدولي في أمر هذه العلاقة، فإنني بلا شك، من أنصار استمرارها، شريطة ألا تنزلق الحركة إلى دفع فواتير وأكلاف في مواقفها من مواضيع المصالحة والأزمة السورية وغيرها، وهذا ما فعلته الحركة حتى الآن، وبنجاح ملحوظ على أية حال، إذ تخطت اختبار “الإستقلالية والقرار المستقل” بأقل قدر من الخسائر...وأدعو للإحتفاظ بعلاقات متوازنة مع مختلف اللاعبين العرب والإقليميين...فهل من الحكمة أن تضع الحركة البيض كله في سلة عاصمة أو محور، هي لم ترغب في ذلك ومحور الممانعة في ذروة قوته وديناميكيته، والأرجح أنها لن ترغب بهذا ومحور الرياض – الدوحة، في ذروة نشاطه المتزايد على وقع تطورات الأزمة وتداعياتها.

ولأن هذا الملف، على هذا القدر من الأهمية، فأحسب أن من الحكمة، ترك أمر معالجته، والتحدث عنه، لنفر محدود من قيادات حماس، فلا يدخل في سياق المنافسة الداخلية، ولا يتحول إلى ملف خلافي داخلي إضافي، ولا يصبح مصدر قلق وإرباك يعطل على الحركة انخراطها في جهود المصالحة أو بناء تحالفات جديدة، أو البحث عن بدائل لـ”الفردوس الدمشقي” المفقود.

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.