عودة إلى فقه الثورة!

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2012-03-25
1401
عودة إلى فقه الثورة!
حلمي الأسمر

 قلنا في هذا المكان حين هبت نسائم الحرية على الوطن العربي، أن ثورات الربيع العربي ليست هبة مؤقتة، أو مجرد أونفلونزا يمكن معالجتها بالمسكن وبعض المضادات الحيوية والخلود إلى الراحة، إنها موسم التغيير بكل ما يحمل من معانٍ، تغيير لن يقف عند حدوده السياسية، بل سيطال كل البنى القائمة، على نحو أو آخر!

وكي لا نبقى بلا بوصلة، أو في منطقة انعدام الوزن، نعيد استذكار بعض المستخلصات المهمة، لأن بعضنا لا يقرأ ولا يسمع، ولا يرى!

أولا: لا يوجد أي بلد عربي في منأى من التغيير، ولكن الفرق هنا أن على قيادات هذا البلد أو ذاك أن تختار طريقة التغيير، وفق ظروفها وما أنجزت أصلا قبل موسم الربيع، أما أن تضرب صفحا عن هذا الملف باعتباره غير موجود، فهذا لم يعد ممكنا، ومن الأفضل لها أن تبدأ شق طريق التغيير بعقل بارد، بدلا من العمل على وقع هدير الجماهير، حين تبدأ لعبة التنازلات في الوقت الضائع، وحيث لا يستمع إليها أحد، حتى ولو استمرت عملية الستربتيز السياسي إلى مرحلة الملط الكامل!

ثانيا: لعبة التآمر والمندسين والتدخل الخارجي، والعصابات المسلحة والسلفيين، والتخويف من الإسلاميين المتطرفين، لم تعد لعبة مسلية، بل بدت باهتة ومثيرة للسخرية وباعثة على الرغبة في التقيؤ، لأنها من السخافة بحيث غدت مهترئة حد الغثيان والإفلاس الكامل، فلتبحث مختبرات الكذب عن مسوغات أخرى للقمع والقتل والتدمير!

ثالثا: النظام الذي يقتل شعبه، والجيش أو الجهاز الأمني الذي يبيح دم أهله، يوقع على شهادة وفاته فورا، مع تسجيل اسم أول شهيد، لأن الصلح ممكن في حال القتل الخطأ، أو حتى العمد بين فردين، أو أسرتين أو عشيرتين، ولكن حينما يعمد ولي الأمر إلى إصدار أوامر القتل لأحد أفراد رعيته، فلا مكان للصلح أو التفاهم، فما بالك إذا أهدر دم مدينة أو شعب كامل؟ 

رابعا: الاحتماء بالشبيحة والبلطجية والزعران وأصحاب السوابق والمرتزقة، ومن لف لفهم، واستعمالهم قفازات لقمع الشرفاء وعموم الشعب، ثبت بالدليل القطعي أنه أسلوب فاشل في استئصال الثورات، بل إن هؤلاء بغبائهم وخشونتهم وقسوتهم، كانوا كالبنزين الذي يُصب على النار لإطفائها، فكلما أسرف هؤلاء في بشاعاتهم، وفروا مادة فيلمية مثيرة لمزيد من الثورة، إنهم ملح يرشه المسؤولون المذعورون على جراح الجماهير!

خامسا: الشعب يصنع ثورته بسلمية حركته، وهو الطريق الأسلم والأسرع للتغيير، أما حينما يضطر إلى الثورة المسلحة، فقد تاهت البوصلة، وتعاظم الثمن، ولهذا، تحرص بعض الأنظمة إلى جر المحتجين للرد على العنف بالعنف، وهنا مقتل التغيير وتأجيله، ورفع هائل لثمنه، وحسنا تفعل الشعوب حينما تصر على مواجهة الرصاص بالصدور العارية، لأنها أقوى بكثير في التأثير والتغيير!

سادسا: في مسألة التأثيرات الخارجية، وصناعة الحدث من الخارج، كثر الحديث بشكل لافت عن صناعة الثورة بالريموت كنترول، من أمريكا أو أوروبا أو حتى إسرائيل، باعتبار أننا شعوب لا نتحرك ذاتيا، بل نحتاج لآباء يوجهوننا كيفما يشاءون، والحقيقة أن هذا التفسير تورط به عدد كبير من النخب العربية الذين يشعرون بغربة ما عن حراك الشباب، كأني بهم يستكثرون على جيل يافع من الـ»مفاعيص» و»ممعوطي الذنب» والسنافر أن يسبقهم بسنوات ضوئية، ويحقق في أسابيع أو اشهر ما عجزوا عن تحقيقه في عقود وربما قرون، فتراهم يحاولون تفسير الظاهرة تارة بعقلية المؤامرة، وأخرى بعقلية تشاؤمية مغرقة بالسواد، باعتبار أن كل ما يجري حراك هش يأخذ البلاد إلى المجهول، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، لاحظنا أن كثيرا ممن يفكون الحرف من إعلاميين ومثقفين، بدأوا يبحثون في بطون الكتب والتصريحات عما يثبت أن كل شيء مخطط له!!

سابعا: في أي تغيير ثوري على مستوى الدولة، يتعين على فلسفة الأمن إعادة النظر في آليات عملها، لاستيعاب وإعادة إنتاج الحركات الشعبية، والتعاطي معها بالحوار لا بالتغييب، باعتبارها حركة تمرد على الشرعية، لأن مفهوم الشرعية اليوم اختلف عما مضى، فالمؤسسة تأخذ شرعيتها من البيعة بالمفهوم الإسلامي، أو الانتخاب بالمفهوم المعاصر، وبعيدا عن هذين المفهومين، ستكون شرعية القهر والجبر خارج التاريخ، ولو عمّرت بعض الوقت!.

ثامنا: لم يعد ثمة من مكان للنظام الشمولي، الذي يعيش خلف ستار حديدي، فوسائل الاتصال الحديث قضت على أي خصوصية قطرية، وأي حدث يقع في أي بقعة من العالم أصبح عرضة للنشر، بعد تزايد وانتشار ظاهرة المواطن الصحفي.

التغيير قادم، سواء الآن، أو بعد حين، ومن يحسب أنه بمنأى عنه يعيش في وهم كبير، فلا يوجد بلد عربي أو غربي محصن ضد التغيير، والاختلاف هنا تحكمه عقلية من يدير هذا البلد أو ذاك، فإما أن يكون التغيير سلسا غير مكلف، أو دمويا مكلفا، لكنه غدا حتمية تاريخية إن جاز التعبير!!

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.