العالم من «ثقب إبرة» الترابي

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2009-03-28
1299
العالم من «ثقب إبرة» الترابي
عريب الرنتاوي

تثير مواقف المفكر والسياسي السوداني حسن الترابي الأخيرة الكثير من الحيرة والارتباك ، وهي تبدو عصية على الفهم والهضم ، حتى للذين تابعوا تبدلات الرجل وتتبعوا "تقلّب وجهه في الأرض والسماء" ، فالرجل الذي يخوض صراع الرمق الأخير على السلطة ، فقد بوصلته وأسقط ثوابته...تنكر لمكانته وموقعه وتحالفاته ، وارتد على كل ما بشّر به وعمل لأجله ، نقول ذلك من موقع الراصد لسيرة الرجل وتحالفاته ، وليس من موقع التأييد أو الحنين لمواقفه السابقة أو الحالية ، فنحن في الأصل ، لسنا أعضاء في نادي معجبيه ومريديه.

 ما أن انفضت شراكته مع نظام "الإنقاذ" وافترق عن رئيسه عمر حسن البشير ، حتى بدأ الرجل رحلة البحث عن بدائل ، أية بدائل ، لكأنه في سباق مع الزمن ، أو لكأنه يريد أن يصفي حساباته مع خصومه ، كل خصومه ، فيما تبق له من عمر - أمد الله في عمره.
 
أول تبدلات الترابي بدأت من جنيف ، حين لوّح بورقة الجنوبيين وميليشيات جون جارنغ ، وهو الذي قال فيهم وفي تحالفاتهم ومواقعهم ومواقفهم ، ما لم يقله مالك في الخمر ، وعندما قطع "نظام الإنقاذ" الطريق عليه ، وأبرم اتفاقية سلام مع الجنوبيين مقتسما معهم الحكم والثروة فيما بعد ، انتقل الترابي إلى "ملف دارفور" ، وما فيه في حسابات وأجندات وتدخلات أجنبية وحسابات دولية وإقليمية ، تحالف مع المليشات الانفصالية ، بمن فيها تلك التي شرّعت أبوابها لكل أشكال التدخل والتسليح والتدريب الآتي من إسرائيل ، وطالما أن الهدف إضعاف النظام المركزي في الخرطوم ، والإطاحة بحكم "الانقاذ" ، و"رد التحية للبشير بمثلها ، طالما أن "الغاية تبرر الوسيلة" ، فلا بأس من التحالف من الشيطان ؟،.
 
إلى أن وصلنا إلى ملف محكمة الجنايات الدولية ومذكرة أوكامبو ، حيث وجد الترابي ضالته ، وخرج شامتا على الملأ ، يعلن ارتياحه للحكم ودفاعه عن المحكمة وينبري مفندا كل الشكوك والاتهامات التي تقول بتسييس المحكمة وتحولها إلى ذراع للاستراتيجيات الدولية في تلك المنطقة ، وليطالب البشير بتسليم نفسه طواعية للمحكمة بعد أن تسبب بكل هذه "الفضيحة" للسودان ، والحقيقة أني لم استمع أو أقرأ لرجل متحمس لجلب البشير للمثول أمام محكمة الجنايات الدولية مثل أوكامبو والترابي.
 
بخلاف الإجماع السوداني والعربي والأفريقي ، لم يكلف الترابي نفسه عناء التفكير بتداعيات القرار واستهدافاته وخلفياته ، ولا بأثره على السلم الأهلي والاستقرار الاجتماعي في بلاده ، فكل ما كان يهم الترابي ويحرك غرائزه ورغباته الدفينة المفعمة بروح الثأر والانتقام ، هو رؤية غريمة في قفص الاتهام ، لكأني بالترابي المعروف بسعة علمه ومعرفته ، لم يعد يرى العالم إلا من "ثقب إبرة" خلافه الشخصي مع الرئيس البشير.
 
وتبلغ الكوميديا السوداء ذروتها ، عندما يشرع الترابي في نقد التجربة السودانية السابقة ، وتحميل النظام المسؤولية عنها ، حتى في تلك الحقبة التي كان شريكا في قيادتها ، من الألف إلى الياء ، ومن موقع المسؤولية الأولى ، فقد أتى زمن على السودان ، كان فيه للترابي من الصلاحيات ، ما يفوق صلاحيات رئيس البلاد ، وهو شخصيا مسؤول أكثر من غيره ، عن تأزم علاقات السودان مع جواره العربي والإقليمي وحتى مع المحيط الدولي.
 
والحقيقة أن الترابي فيما يفعل اليوم ، يبدو وفيا لإرثه التاريخي ، وهو أرث حافل بالانقلابات والتقلبات ، زاخر بالتحالفات والارتداد عليها ، والصداقات التي تتحول إلى عداوات ، إرث مديد ومرير ، من اللعب على كل الحبال وانتهاز كل الفرص ، والانقضاض على الثوابت والخطوط الحمراء.
 
كان الله في عون السودان.
 
أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :

ابو منصور29-03-2009

تودّد حسن الترابي وسلمان رشدي
تحية لاستاذ عريب وشكرا على حسن ودقة اختيار عنوان المقال .

لا شك في ان الترابي يملك من الذكاء والدهاء الشيء الكثير ، ولكنه لم يفلح يوما في تسخير ذلك للخير او المنفعة العامة . اليس ابليس صاحب مكر ودهاء ؟

حينما تسمع او تشاهد هذا الرجل – منذ بز
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

ابو عبدالله29-03-2009

و الله عمري ما حبيتك يا عريب لكن لا اقدر الا ان اقول صح السانك و لك مني كل التحية
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.