ما الذي يفعله عربيٌ في «كاديما»؟

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2012-03-29
1326
ما الذي يفعله عربيٌ في «كاديما»؟
عريب الرنتاوي

 أنهى حزب كاديما أعمال مؤتمره الأخير، بفوز ساحق حققه رئيس الأركان وزير الدفاع الأسبق شاؤول موفاز على المسؤولة السابقة عن وحدة اغتيالات الفلسطينيين في أوروبا تسيبي ليفني...صراع على الموقع الأول بين صقرين، أمني وعسكري، تلوثت يدا كل منهما بدماء الفلسطينيين، ومع ذلك فإنهما يُنعتان زوراً وبهتاناً بقادة “تيار الوسط” في إسرائيل...وعندما يكون الصراع على “الوسط” بين شخصيتين من هذا النوع، لكم أن تتخيلوا سيداتي وسادتي، هوية القابعين في يمين أو أقصى يمين الخريطة الحزبية والسياسية في دولة الاحتلال والاستيطان والجدران والعنصرية ؟!.

موفاز أطاح بلفني بالضربة القاضية شبه الفنية، حصد 62 بالمائة من أصوات المؤتمرين، ولم يبق لها سوى 37 بالمائة من الأصوات...لكنه نصر بطعم الهزيمة، إذ ما قيمة أن تتولى زعامة حزب، تؤكد كافة التقديرات والاستطلاعات، وبما لا يدع مجالاً للشك، بأنه وفي أحسن أحواله، لن يحصل على نصف ما حصل عليه في الانتخابات السابقة، وأنه سيهبط من الموقع الأول بين الأحزاب وبعدد من المقاعد يصل إلى 28 مقعداً، إلى 12 مقعدا على الأكثر؟.

كاديما، ليس حزباً سياسياً بالمعنى العميق للكلمة، هو أقرب لصيغة “تلفيقية” “مُختلقة” ومفبركة على عجل، نهض على شخصية محورية واحدة هو أريئيل شارون، الذي انشق عن حزبه الأم: الليكود، وضم لصفوفه تيارات من العمل (بزعامة شمعون بيريز) وعناصر من ميريتس وشخصيات من يمين ووسط الخريطة الحزبية...دخل الحزب في “كوما” منذ أن دخل مؤسسه في “الكوما”...وزاد الطين بلّة، أن خلفه إيهود أولمرت، خرج من السلطة سريعاً مُجللاً بثياب العار والفضائح...ولم تنجح “السيدة الحديدية” في الحفاظ على زخم النشأة، ولم توفر البديل المُقنع لشخصية شارون المُؤسسة، فأخذ الحزب في الاندحار والانحدار، إلى أن وصلت به الاستطلاعات إلى ما وصلت إليه.

والحزب، بعد سنوات خارج الحكم، وفي ضوء الفشل بتوفير بديل مُقنع للناخب الإسرائيلي لحكومة اليمين واليمين المتطرف بقيادة نتنياهو، كان تعرض لنزيف واستنزاف متواصلين، إلى أن سجّل في مؤتمره الأخير، ما سبق لـ”أحزاب الطفرة” في التاريخ الإسرائيلي أن واجهته من مصائر: أحزاب الدورة الواحدة أو الدورتين على أحسن تقدير، للكنيست الإسرائيلي، وستطوي الخريطة الإسرائيلية تجربة كاديما، كما طوت من قبل تجارب سابقة.

إن أكثر ما استوقفني في تجربة المؤتمر الأخير لكاديما، هو نسبة العرب المرتفعة جداً في صفوفه...فقد ناهز هؤلاء حاجز الخُمس، وبلغت نسبتهم بعضوية مؤتمره الأخير (21 بالمائة) وهي نسبة تقارب نسبة العرب إلى اليهود في إسرائيل، أي أن كاديما نجح بالتحصّل على “حصته” من الديموغرافيا الفلسطينية حتى آخر قطرة، وهذا أمر مؤسف ومثير للتساؤل والسؤال...وزاد إحساسي بالحزن والأسف، لهذه المعطيات، رسائل الشكر التي وجهها الفائز بالانتخابات: موفاز لأعضاء الحزب العرب، والذين لولا أصواتهم، ما بلغ القاتل هذه المرتبة الرفيعة في عالم السياسيين.

ما الذي يدفع عربياً، يرزح تحت نير الاحتلال والعنصرية، للانخراط بصفوف حزب أسسه أبطال المجازر والمذابح في تاريخ الصراع العربي – الإسرائيلي...أحسب أن كثيرين من هؤلاء، لو عادوا بذاكرتهم للوراء قليلاً أو كثيراً، لاكتشفوا أن شارون وموفاز وليفني وغيرهم من مؤسسي الحزب وقادته وزعمائه، كانوا القتلة المباشرين أو غير المباشرين لأقرباء لهم من الدرجة الأولى...وأنهم هم أنفسهم من أعطى الأوامر بهدم القرى وتشريد سكانها، وأنهم هم أنفسهم من اختط سياسات التمييز العنصري، وأنهم هم، ولا أحد غيرهم، من أمطر الفلسطينيين في الوطن والشتات، ومعهم شعوب عربية عديدة، بوابل من الرصاص المصبوب والقذائف المحرمة دولياً.

نحن نعرف أن عرباً فلسطينيين ينخرطون منذ سنوات وعقود في صفوف أحزاب صهيونية...لم نستسغ الفكرة من قبل، وبتنا نستهجنها من بعد، سيما بعد أن نشأت أحزاب عربية، تمثل مروحة واسعة من الطيف السياسي والفكري: شيوعيون ويساريون وقوميون وإسلاميون من مدارس عدة ووطنيون ومحليون ووسطيون إلى غير ما هنالك...لماذا يترك العربي – الفلسطيني كل هذه الأحزاب، وينخرط بصفوف أحزاب صهيونية يمينية، لم تجمع بصفوفها سوى القتلة والمطلوبين في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية؟.

قيل في تبرير ذلك وتفسيره، الشيء الكثير...يريدون خدمات أفضل...يستحصلون على بعض من حقوق ومكتسبات مما لا تقوى الأحزاب العربية على تحصيله...أحزاب مؤيدة للتسوية التاريخية مع الفلسطينيين، إلى غير ما هنالك من حجج وذرائع واهية، ينسى أصحابها، أن معظم إن لم نقل جميع، التشريعات العنصرية التي نددت كافة المنظمات الحقوقية الدولية، والتي تمس حقوق الفلسطينيين داخل الخط الأخضر وكرامتهم وحرياتهم، قد مرت في الكنيست بموافقة كاديما وتأييده، فلماذا كل هذا التهافت على عضوية حزب عنصري احتلالي؟

كثيرون منّا، نحن أبناء الجيل الأول بعد النكبة، ما زالوا يذكرون كيف ترددت كلمة “كاديما” على مسامعهم، ومن السنة الآباء والأجداد، الأمهات والجدات في ليالي الشتاء الحزينة في المخيمات...ما زالت أذكر صوت أبي وهو يحدثني عن معارك ومواجهات مع عصابات الهاغانا وشتيرن والأرغون، وكيف كان يردد دائما صيحات قادتها: كاديما، أي بمعنى إلى الأمام، عندما كانوا يصدرون أوامرهم باقتحام قرية، أو الهجوم على خطوط الثوار ودفاعاتهم البدائية المتواضعة...لقد نشأت وكبرت مع صيحة “كاديما”، ودائما ما كانت الكلمة تثير القشعريرة في نفسي وعروقي...وعندما أعلن شارون لأول مرة، عن اسم حزب الوليد، استعدت كل تلك القصص بلحظاتها الانفعالية الحادة والمشحونة، ولم يساورني الشك للحظة، بأن كاديما هذا، لا يختلف عن كاديما تلك، الهدف ذاته، والمُستهدف ذاته، والمشروع ذاته.

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.