النخبة ومخاوف مذكرات الاعتراف

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2012-04-05
1560
النخبة ومخاوف مذكرات الاعتراف
بسام الياسين

 

الحياة معركة ضارية .ضراوة المعركة،وبسالة المقاتل لا تُحددها الرتبة أوالوضع الإجتماعي، ولا تعتمد على الشهادة العلمية والأفق الذهني إتساعاً وضيقاً.فالكل يحارب من موقعه بأسلحتة الخاصة سواء كانت خفيفة أو ثقيلة.التجارب الانسانية كاليتم،الإنكسار،الإنتصار،الاخفاق،المرض،الألم، واحدة عند الجميع،لا تختلف مشاعر الهزيمة عند إمبراطور اليابان عن سائق تكسي في شوارع اليونان، ولا تتميز أميرة بريطانية في احاسيس الحب عن ممرضة في أندونسيا.اذ ان الشيفرة العاطفية تتشابه في صبغياتها وتراكيبها لدى الكافة.  

*** الإختلاف يقع بين الاشخاص في مواقع المسؤولية وتدرجاتها. فالتجربة التي يمر بها العسكري في الميدان وإن كانت كثيفة،تبقى مغايرةعن تجربة القائد العام الذي يدير غرفة العمليات ،ويقبض بكل الخيوط وتصب باذنه انهار المعلومات.كذلك الأحداث التي يمر بها المراسل في دائرة حكومية ومعلومات يحتفظ فيها موظف السنترال،هي بالقطع غير الأحداث،وحجم المعلومات التي بحوزة المدير أو الوزير . 

*** أدب المذكرات،رائج في كل الدنيا،خاصةً عندما تفوح من المسؤول رائحة الشيخوخة،بإستثناء الأردن التي يتحاشى اصحاب القرار من الاقتراب منها، مع أنها شهادة حق أمام الله والناس والتاريخ، وتدوين لأهم الوقائع والأحداث المهمة،والمنعطفات المفصلية التي مرت بصاحبها خلال خدمته في موقعه القيادي،والقضايا العامة التي واكبها،وإبراءً لذمته وتاريخه وضميره،وهذه سُنةٌ متبعة عند الادباء والساسة والقادة العسكريين،وكلنا قرأ قصة كفاحي لهتلر،واعترافات جان جاك روسو وعشرات غيرهم ،وعلى غير العادة فإن الرئيس المخلوع مبارك اللامبارك  يطلق هذه الايام، الحلقة الرابعة عشر من مذكراته، التي تتناول جانباً من دموية الرئيس الخالع المقبور معمر القذافي. 

***المذكرات الأمينة تعطي صورة تفصيلية،وبانوراما كامله لمرحلة من تاريخ الوطن،وتكشف أنماط التفكير السائدة في فترة معينة،والمستوى الثقافي والفكري للقادة والساسة اضافة الى نزواتهم، وجوانب ضعفهم.كما تظهر جوانب الحياة المجتمعة السائدة آنذاك،الاهم انها تزيل الصدأ عن الحقائق،وتغربل الشائعات،وتنقض الغبار عن الصفحات المطمورة،وتُظهر ادوار شخصيات أُطلق عليها مجازاً “شخصيات”. 

*** خلال المؤتمر الصحفي الذي عقده دولة البخيت لجلاء الحقائق، حول فضائح الفوسفات والكازينو.وعلى ضوء مايدور من شائعات،يشيب لها الولدان،داهمتني خاطرة تقول: ألم يكن من باب أولى أن يبسط دولته الحقائق التي عاشها وتعايش عنها،وهو العسكري حامل الرتب والأوسمة،والعضو المفاوض في معاهدة وادي عربة، والدكتور المستنير، وسفيرنا إلى إسرائيل،ومدير الامن الوطني،ومدير مكتب الملك عبدالله، ورئيس وزرائنا لمرتين؟!.لماذا لايكتب مذكراته بشجاعة،و يكشف المخبوء،ويعلن المستور،عبر مسيرته الحافلة بالاحداث حتى يُريح ويستريح،فالفوسفات والكازينو جزئية صغيرة لاتغني المتعطشين لمعرفة تاريخ وطنهم،وماكان يدور خلفهم.

*** ماينطبق على دولة البخيت، ينسحب على دولة احمد عبيدات،الذي يتصدر المشهد الوطني هذه الايام،وهو مدير المخابرات الاسبق،والمعاصر لاحداث ايلول الاسود،،ورئيس وزراء خلال حقبة متخمة بالأحداث ،وزاخرة بالمحطات، حيث شنت فيها الحكومات،حرباً شعواء على الصحافة من أجل تكميمها،وقد امر “الباشا” ذات مرة بتوقيف الزميلين، فهد الريماوي،ومعالي راكان المجالي في زنزانة واحدة عندما كان مديراً للمخابرات،وعلى خط  متوازِ شنت الحكومات مداهمات لتفكيك الاحزاب الوطنية، وملاحقة القوى السياسية المستقلة،واغلقت رابطة الكُتاب وحاولت الاستحواذ على النقابات المهنية،و فتكت بالشخصيات الشيوعية،ولاحقت القوميين والبعثيين،وقد بلغت العقوبات بحق الحزبي، الحرمان من السفر والتوظيف والحصول على حُسن سلوك،والتضييق عليهم بارزاقهم.

**** المؤسف ان اصحاب الصف الاول من اهل السلطة،الاعلى صوتا وسوطاً بالأمس،يلتزمون الصمت اليوم،امام المواطنيين المخنوقين من الالم والظلم،وكأن على رؤوسهم الطير،وعلى رأسهم طاهر المصري ومضر بدران،وسمير الرفاعي واحمد اللوزي وعبدالسلام المجالي وفايز الطراونة وعدنان ابو عودة وطارق علاءالدين، وغيرهم مما لاتتسع “السلة” لإسمائهم.المضحك ان هؤلاء جميعا تجاوزوا السبعين من اعمارهم،رغم عمليات التجميل والشد والترقيع،ومع ذلك يحبسون المعلومات في صدورهم،ويجترون الفراغ والكآبة،حيث الاجدر بهم تسجيل حركة تاريخ الوطن،وتوثيق الاحداث،والقاء الاضواء على المعتم من الحقائق.لافتين انتباههم ان للحقائق انواراً ساطعة رغم تعتيمهم عليها،فأشعاعات الحقيقة اكثر قوة من اشعاعات اليورانيوم واشد خطراً منها.

*** النتيجة الثابتة التي لاتحتمل الا احد تفسيرين لاثالث لهما،إما ان هذه النخبة تخجل من كتابة مذكراتها، المعروف ـ بادب الاعتراف ـ خشية ان تسحب الجماهير اعترافها بها  جراء معرفة حقائقها،او انها تخاف ان تعلق الجرس خوفاً من أن تُفتضح عيوبها،لانها شخصيات رخوة متورطة بطريقة او اخرى حتى انوفها في العمل ضد مواطنيها.  

 

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :

انس التلهوني01-04-2012

السؤال المشروع لماذا لايكتب الساسة الاردنيون سيرتهم الذاتية حتى نقرأ تاريخنا اسوةً بالآخرين؟ وهل يملك السياسي الاردني جرأة التصريح بما يعرف،ام لايوجد عنده مايستحق الكتابة او القرآءة،متكأً على اكذوبة المثل القائل: "الرجال صناديق مقفلة" حتى تآكلت الصناديق وأقفالها من الصدأ،فيما يجلس معظم كبار الساسة على حافة قبورهم ..!!!
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

مصطفى العوامله01-04-2012

كيف تطلب يا استاذ بسام ممن كانوا في يوم من الايام واجهات الوطن والناطقين باسمه والمنافحين عنه على طريقتهم المنضمنة تلقي الاجر الجزيل قبل المباشرة بالعمل كيف تطلب ممن لا يزالون يكابرون ويظنون بانهم لا زالوا قادة ومتنفذين رغم طبقات الغبار التي اعتلت اجسادهم وتجاعيد الزمن التي ملئت سحنهم ورغم تقهقر ادراكاتهم جراء عوامل الزمن والتعرية وعن ماذا يبوحون ايبوحون عن فشلهم المتكرر في ادائهم زمن القيادة ام عن ما حصلوا عليه من مكاسب بقوة مقاعدهم الامامية وسطواتهم القيادية انك تنفخ في قربة ممزقة الاشلاء متيبسة الانحاء جراء عدم ترطيب بقاياها بالمياه المفقودة من منازل العامة الا ببركهم وساناتهم ومعاقلهم المغلقة على عقولهم وقلوبهم انهم لا يرون الا من مناظيرهم ولا يشاهدون الا ما يرغبون بمشاهدته انهم مقتنعون بانهم بخبة النخبة وخلاصة الخلاصة التي لن ينجب التاريخ مثيلا لها رغم انهم اصبحوا كالاثار المهدمة وان بعضهم اصبح دامسا في
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.