بيلين إذ يدعو عباس لتسليم مفاتيح «السلطة» لنتنياهو ؟!

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2012-04-07
1294
بيلين إذ يدعو عباس لتسليم مفاتيح «السلطة» لنتنياهو ؟!
عريب الرنتاوي

 ليوسي بيلين عقلٌ في رأسه...هكذا قال الرجل نفسه...ولأنه كذلك، فإنه على يقين تام بأن حكومة نتنياهو لن تقبل أبداً بالمطالب الفلسطينية الأربعة: (1) وقف الاستيطان...(2) إعتماد مرجعية خط الرابع من حزيران...(3) الإفراج عن المعتقلين والأسرى...(4) الذهاب إلى حل الدولتين مباشرة ووفق جدول زمني، يتخطى حكاية “المراحل والمرحلية”...بيلين يبني على هذا الشيء مقتضاه، ويقترح أن يعمد الرئيس عباس إلى تسليم مفاتيح السلطة لحكومة إسرائيل، وعدم الاكتفاء بالتلويح بحلّها...على إسرائيل أن تتولى بنفسها عبء إدارة أربعة ملايين فلسطيني خارج الخط الأخضر، وتوفير مختلف الخدمات الصحية والتعليمية وغيرها...عليها أن تنفق على احتلالها للأرض الفلسطينية.

ولمن لا يعرف بيلين، نذكّر بأن الرجل هو أحد أنشط مهندسي اتفاق أوسلو والمتحمسين للدفاع عنه...وهو إلى جانب ياسر عبد ربه، أحد عرابيّ “وثيقة جنيف” التي قيل فيها ما قيل، من مديح وهجاء....وهو أحد أبرز قادة ما كان يعرف في إسرائيل ذات يوم بـ”معسكر السلام”...لقد وصل الرجل إلى طريق مسدود، فالإتفاق الذي أشرف على ولادته وإخراجه إلى دائرة الضوء، كان مقرراً له أن يكون انتقالياً، لمدة خمسة أعوام، فإذا به يناهز العشرين عاماً من دون أن يحقق مراميه، مستخلصاً أن “حياة هذا الاتفاق المديدة، هي دلالة على فشله، لا شاهداً على نجاحه”...أما الذين يستمسكون به، وبما نشأ بمقتضاه من مؤسسات أهمها السلطة ذاتها، فهم إما فلسطينيون يريدون الارتزاق على هوامش السلطة وتخومها أو إسرائيليون يريدون تحويله إلى ذريعة ومبرر للاستمرار في التهرب من تحمل أعباء الاحتلال الذي ما زال مستمراً.

بيلين هذا، بما يمثل ومن يمثل، يصلح أن يلعب دور “جهيزة” في هذا المقام، والتي كما تعلمون، “قطعت قول كل خطيب”...كلام الرجل من موقعه، يصب في ذات الإتجاه الذي تذهب إليه أصوات فلسطينية تزداد تكاثراً وارتفاعاً، تطالب من مواقعها المختلفة، إما بحل السلطة الفلسطينية وتسليم مفاتيحها للاحتلال، أو بإعادة تعريف دورها ووظائفها، لتعود إطاراً “بلدياً/خدمياً”، متخففاً من الأمن والسياسة...وهي أصوات بدأت تنطلق من صفوف أنصار أوسلو والسلطة و”المقاطعة”، بعد أن ظلت لسنوات، حكراً على المعارضات الفلسطينية المختلفة.

فالرئيس عباس شخصياً، أوجز للقادة والوزراء العرب في غير مناسبة، تقييمه للوضع الفلسطيني الراهن: حل الدولتين يتآكل، وفرص قيام دولة فلسطينية تتراجع، والاحتلال يريد أن يجعل من سلطته، “دويلة جنوب لبنان”، ومنه شخصياً سعد حداد أو أنطوان لحد، ومن ألوف المنتسبين إلى الأمن الوطني والأجهزة، “جيش جنوب لبنان آخر”...أما وزيره وعضو لجنته المركزية المكلف ملف الشؤون المدنية حسين الشيخ، فقد تحدث عن استراتيجية إسرائيلية، تريد أن تجعل من السلطة الفلسطينية، وكيلاً أمنياً للإحتلال، محذراُ من مغزى ودلالة عودة الاحتلال للعمل بـ”الإدارة المدنية”، ما يعني الإجهاز على السلطة وتحويلها قولاً واحداً، إلى وكيل أمني، ومنطقة عازلة تفصل بين الاحتلال والشعب الخاضع له.

السلطة لوّحت بحل السلطة...لكنها لم تفعل ذلك، ولقد فقدت هذه الورقة أثرها في “إسالة الأدرينالين” في عروق الاحتلال وداعميه ورعاته...والسلطة قالت أن ما بعد السادس والعشرين من يناير، ليس كما قبله...مضى الموعد المحدد، وجاء 26 فبراير و 26 مارس، وها نحن نشارف على عتبة السادس والعشرين من أبريل...لا شي تغير...ما كان من قبل ظلّ على حاله من بعد، وذهبت تلويحاتنا وتهديداتنا أدراج الرياح...فمن سيصدقنا في قادمات الأيام، ومن سيأخذ تهديداتنا وأوراقنا على محمل الجد والجدية؟ ... تذكروا معي حكاية الراعي والذئب وقطيع الأغنام وسكان القرية.

بدلاً من الذهاب من دون إبطاء إلى تنفيذ ما قيل أنه “استراتيجية فلسطينية جديدة”...ها نحن نمضي الشهر تلو الآخر، في تدبيج رسالة نوجهها لنتنياهو وحكومته، عملاً بقاعدة “اللهم هل بلّغت”...نتنياهو يرد على رسالتنا البلاغية برسائل على الأرض، تبدأ بالعدوان وتتركز في توسيع الاستيطان و”شرعنته” ولا تنتهي بممارسة كافة أشكال الإبتزاز...نُمضي الشهور في كتابة الرسالة، وإعادة كتابتها، لانتقاء ألفاظها بعناية فائقة ومشددة، فيما لا يحتاج الأمر من نتنياهو، سوى لدقائق وسويعات، لفرض رسائله على الأرض، وترجمة منطوقها وحدات استيطانية وعشرات القتلى ومئات الجرحى والأسرى...شتان ما بين الرسالتين، شتان ما خطاب الحبر وخطاب الحرب.

لست أدعو لأخذ الحكمة من يوسي بيلين وعظاته...أدعو فقط لوقفة مخلصة تضع “السلطة” في نصابها الصحيح...هل ما زالت السلطة هذه، ذخراً لمشروعنا الوطني، أم أنها استحالت عبئاً عليه، يستوجب إعادة النظر فيها وبوظائفها وأدوارها؟...هل تعني “إعادة النظر” حلّ السلطة، أم التخلي عن بعض وظائفها؟...هل التنسيق الأمني و”وزارة الخارجية” شأنان يمكن للسلطة أن تستمر في ممارستهما، أم أن عليها أن تكتفي بتقديم الخدمات، ومن على قادة “دعم الصمود”، وليس الوفاء بالالتزامات...وأيهما أجدى بالوفاء، التزامات السلطة حيال إسرائيل بموجب أوسلو، أم التزامات السلطة حيال شعبها التوّاق للحرية والاستقلال، والأهم من كل هذا وذاك، التزامنا حيال أنفسنا، نحن الذي ما زلنا ننتظر أن نرى على الأرض إرهاصات “الاستراتيجية” التي وُعِدنا بها، من دون أن نرى استراتيجية ومن دون ان نلمس أية تطبيقات على الأرض وفي الميدان.

لست أزعم أنني أمتلك أجوبة قاطعة على هذه الأسئلة...ولا اعرف إن كانت هناك أجوبة من هذا النوع أصلاً...كل ما أعرفه أن نتنياهو، برنامجاً وحكومة وائتلافاً، هم نقيض المفاوضات والالتزامات وحل الدولتين والسلام العادل...كل ما أعرفه أن إسرائيل تنزاح يومياً نحو اليمين، بدلالة ما حدث مؤخراً في كاديما، وعليه، فلا أمل في حدوث “الاختراق المنشود” مستقبلاً كذلك...كل ما أعرفه أننا أردناها سلطة تشكل نواة الدولة، وعندما تنقطع الطريق بين السلطة والدولة، فما حاجتنا لسلطة يراد له أن تبتلع المنظمة، وأن تكون “وكيلاً أمنياً” وأن تسهم إسهاماً لا يُقدّر في تخفيض كلفة الاحتلال، ومظلة لاستمرار الأنشطة الاستيطانية.

قبل التفكير بما يتعين فعله بشأن السلطة، على القيادة الفلسطينية أن تطلق حواراً وطنياً جاداً ومسؤولاً، حول مختلف عناوين الاستراتيجية الوطنية في المرحلة المقبلة من نضال الشعب الفلسطيني في سبيل تحرره الوطني وحريته وكرامته...في سياق حوار كهذا، ستندرج السلطة بكل تأكيد، بوصفها بنداً واحداً من بين بنود عديدة...في سياق كهذا، يمكن النظر في علاقة السلطة بالمنظمة، بل وبمجل النظام السياسي الفلسطيني...في سياق استراتيجي كهذا، وفيه وحده، يمكن التقرير بشأن السلطة، حلاً أو بقاءً أو إعادة تعريف الأدوار والمهمات.

لا يحوز التعامل مع ملفات الأزمة الفلسطينية الواحد منها بمعزل عن الآخر...فلا معنى لانتخابات تشريعية ورئاسية على سبيل المثال، إن كانت خلاصة الحوار والبحث، أن هذه السلطة فقدت مبرر وجودها...ولا معنى للمصالحة الوطنية إن لم ترتبط بالتوفق على عناوين المرحلة المقبلة، بما فيها الموقف من السلطة والمنظمة والمقاومة وغيرها...لا معنى للاعتراف بدولة فلسطينية على حدود 67، إن كانت الدولة لن تقوم، في الأفق المرئي على أقل تقدير، والمنظمة مهددة بضياع صفتها كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني...لا معنى للأولويات التي تقررت في حوارات القاهرة وإعلان الدوحة، إن كانت الخلاصة أن منظمة التحرير، لا السلطة، هي هدف الإصلاح والتغيير في عالمنا الفلسطيني والعربي.

أخشى أن السلطة (تيار رئيس فيها على أقل تقدير) ما زال على رهاناته الأولى، رغم اصطدامها بجدار مسدود ووصولها إلى طريق غير نافذة....أخشى أن هؤلاء يريدون استبدال “مفاوضات التقريب” التي تتسرب بشأنها أخبارٌ عديدة، بمفاوضات “الرسائل”...أخشى أن بديل المفاوضات الفاشلة، هو العودة إلى “وثيقة جنيف” التي تنجح في إذكاء “حنين” بعض نشطائها للقاء نظرائهم على الضفة الإسرائيلية تحت عناوين وصيغ شتى...أخشى أننا سنظل نسلك الطريق ونتوقع الوصول إلى نتائج مغايرة...أخشى أن نفوذ هذا التيار، قد شهد تصاعداً على خلفية عودة مناخات الإنقسام وتراجع التفاؤل بقرب الخروج من نفقه المظلم، فضلاً عن ضغوط العرب والإقليم و”المجتمع الدولي”.

في المقابل، أخشى أن حماس (تيار غزة فيها على نحو خاص)، نسي أن القطاع ما زال محتلاً من الناحية الشرعية والقانونية...وأن منظومة السلطة والنفوذ والامتيازات، قد اعمته عن رؤية الصورة الكبيرة للوضع الفلسطيني المأزوم...نخشى أن يطيل هذا التيار “نشوته” على الصحوة الإسلامية، والربيع “الإسلامي”...نخشى أن يكون استمساكه بالسلطة المنفردة في القطاع، قد شجعه على محاولة انتزاع “القيادة المنفردة” في حماس، وعلى حساب وحدة الحركة والمصالحة الفلسطينية، فالشهوة للسلطة واحدة، كل لا يتجزأ، ومن يريدها في القطاع ولو كانت على حساب الوطن، لن يردعه شيء في البحث عنها داخل حماس، حتى وإن كان الثمن، تفتيت الحركة وإضعافها وشل حركتها...أليس هذا ما نواجهه اليوم أو بالأحرى منذ أن أطاحت خلافات حماس الداخلية برزنامة المصالحة وجداولها الزمنية؟.

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.