مصر .. «النموذج اليمني معكوساً»

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2012-04-08
1344
مصر .. «النموذج اليمني معكوساً»
عريب الرنتاوي

 قضت المبادرة الخليجية بأن يتنحى الرئيس اليمني عن صلاحياته لنائبه، ما فتح الباب لانتخابات رئاسية توافقية، انتهت إلى حلول “النائب” محل “الرئيس”...راح الرئيس وبقي النظام، مع أن كثيرين يجادلون بأن “الحاوي” علي عبد الله صالح، ما زال قادراً على إدارة “مسرح الدمى” بأصابعه التي شوهها الحريق الذي كاد يأتي عليه، وإلى الحد الذي حدا بيمنيين كثر، إلى إطلاق صفة “رئيس الرئيس” على الرجل الذي حكم اليمن لثلث قرن من الزمان.

المشهد في مصر، يبدو مشابها في بعض جوانبه، ومغايراً في كثيرٍ منها، مع مشهد “الربيع اليمني الناقص”...الرئيس تنحى عن موقعه كارهاً لا طائعاً...ونائبه الذي عُيّن في ربع الساعة الأخير، انسحب من إدارة المرحلة الانتقالية، ومن دون أن يأخذ معه أياً من صلاحيات رئيسه، على أنه مرشح قوي لانتزاع كل وظائف ومهام الرئيس المخلوع، وعبر صندوق اقتراع، يبدو أن الطريق إليه، عُبّدت بمهارة فائقة، حتى أن الرجل، وبمجرد “نزوله عند رغبة الجماهير”، بات أقوى المرشحين للرئاسة حظاً وحظوة في اقتناص الموقع الأول في نظام مصر السياسي.

النتيجة هنا وهناك، واحدة تماماً..نائب الرئيس، جنديه وخادمه المطيع، ابن الحزب الحاكم الواحد الأوحد المتفرد، المسؤول عن كل ما أفضى للثورة و”الربيع”، يعود لاحتلال مواقع مخدومه وسيده...لم يختلف شيء سوى الطريق و”الإخراج” و”البرتوكول” و”المراسم...فهل كان الشعبان العظيمان في مصر واليمن، بحاجة لتقديم آلاف الشهداء وأضعاف أضعافهم من الجرحى والمعتقلين، ومليارات الدولارات من الخسائر الجسيمة في الأعمال والاقتصاد، لكي ينتهيا إلى نتيجة كهذه؟...هل هذا هو “وعد الربيع العربي” الذي أخرج شباب مصر واليمن بالملايين إلى الميادين والساحات والشوارع في واحدة من أشجع وأنبل الثورات السلمية التي عرفها عالمنا المعاصر؟.

في الأنباء، أن “الجندي” عمر سليمان، صدع لأمر “الشعب”، وهو الذي لم يصدع يوماً إلا لأوامر الرئيس ونزواته وغرائزه، وقرر أن يخوض “أم معاركه” لإنقاذ مصر من براثن الفوضى والفلتان...وهو سيتقدم بـ”أوراق اعتماده” للشعب عند اكتمالها...وسط أنباء تتحدث عن “صفقة مع العسكر” وعن “شرك” نُصب بعناية للإخوان المسلمين، الذين أظهروا شهية للتفرد والانفراد، يحسدهم عليها، سدنة الحزب الواحد وأنصار الزعيم الفرد المنفرد ومنظروا النظم الشمولية.

رغبة العسكر بالاحتفاظ بالسلطة في محيطهم وبين أيديهم...وجشع الإسلاميين للسلطة والهيمنة...وميلهم الجامح لتحويل برنامجهم الخاص إلى دستور جديد للبلاد والعباد...مكّن “الفلول” من جمع شتاتها، واستعادة الجرأة على التقدم بمشروع “بعث النظام القديم” تحت جنح الثورة وفي ظلال شعاراتها و”صناديقها”...وثمة فرصة تزداد مع مرور الأيام، وتراكم الأخطاء والخطايا في “معسكر الثورة”، لعودة نظام مبارك وإن من دون مبارك شخصياً، مع أن النظام لم يبرح مكانه، حتى نقول “عودته”...النظام في مصر لم يتغير، وكذا الحال في اليمن غير السعيد.

وانظروا إلى الأنباء والتوقعات التي تكاد تحصر المنافسة الجدية على رئاسة الجمهورية بين مرشحين: عمر سليمان وعمرو موسى...كلاهما من أركان نظام مبارك، وهما مسؤولان مسؤولية شخصية مباشرة عن المآلات الصعبة التي انتهت إليه مصر...كلاهما هبطا بمكانة مصر وهيبتها ودورها ونفوذها، وأحالاها إلى ملحق بنادي “البترودولار الخليجي”...الأول من موقعه المُقرر في رأس الهرم القيادي، والثاني من موقعيه المُقررين على رأس الدبلوماسية المصرية ابتداءً والجامعة العربية في “نهاية الخدمة”، حيث يسجل للرجل أنه كان صوتا خليجياً في الجامعة، ولم يكن صوت مصر والعرب والعروبة، والمحطات الدالة على ذلك، أكثر من أن تُعدّ وتحصى.

بعض المحللين والباحثين، تحدثوا عن “ربيع عربي قصير”...بعضهم الآخر تحدث عن “ربيع إسلامي” أو “ربيع الإسلاميين” في العالم العربي...التحليل الأول، لا يخلو من وجاهة، سيما بعد أن واجهت بعض الثروات “خريفاً مبكراً”...أما التحليل الثاني، فأحسب أنه لا يقل وجاهة أيضاً عن التحليل الأول، مع استدارك بسيط، ألا وهو أن “ربيع الإسلاميين” سيكون قصيراً على ما يبدو، فقد أظهر هؤلاء، وفي غير ساحة وموقع، أنهم لم يتمثلوا بعد، قواعد اللعبة الديمقراطية وقيمها، بما هي مواطنة وانفتاح، مشاركة لا مغالبة، تعددية لا هيمنة، دولة مدنية ديمقراطية، لا دولة الشريعة التي بشّر بها “الشاطر” واعتبرها مبتدأ رسالته وخبرها...لقد أظهروا من الإشارات ما يكفي للدلالة على أنهم ذاهبون في إعادة إنتاج تجربة “الحزب الوطني” معطوفاً عليها منطوق المادة 8 من الدستور السوري القديم التي تتحدث عن “الحزب، قائد الدولة والمجتمع”...ومن دون أن تصدر عنهم أية إشارة دالة على نهج مغاير فيما خصّ إسرائيل والولايات المتحدة والغرب، لكأن السلطة باتت هي الهدف الأول والأخير، حتى وإن كان الطريق إليها يمر بتل أبيب و”الإيباك” ومعاناة أبناء غزة وبناتها، التي لم تتغير بعد الخامس والعشرين من يناير عمّا كانت عليه من قبله.

لقد ضاق إسلاميو مصر ذرعا، بإسلاميين مثلهم، بإخوان مثلهم، ضاقوا ذرعاً بشبابهم، ناهيكم عن بقية التيارات والألوان والمكونات...فكانت النتيجة أن “الفلول” نجحت في “تمثير” و”استثمار” زوبعة المخاوف والهواجس المُحقة التي اجتاحت ملايين المصريين، وتقدموا بأكثر من مرشح لهم، يحتلون المواقع الأولى في استطلاعات الرأي، ولديهم الفرصة الأوفر للعودة إلى الرئاسة من النافذة، بعد أن تركوها من بوابة ميدان التحرير.

إن مشوار مصر مع “الانتقال للديمقراطية” ما زال شائكاً وطويلاً...وها هو يشهد عمليات نكوص وانتكاس...بل ويبدو مهددا بأن يكون مفخخاً بجولات صراع محتدمة بين “عسكر” تواقين للديكتاتورية وإخوان لم ينزعوا عن أكتافهم عباءة “الإيديولوجيا الشمولية”...على أن الرهان ما زال معقوداً على “لاعب ثالث” كان له “القول الفصل” في إشعال فتيل الثورة، قبل أن يمتطي موجتها إخوان وسلفيون، وهو أظهر من الاستعداد للبذل والعطاء والفداء، ما يجعلنا نستمسك برهاننا على فرصة “تجديد الربيع” وبعثه من تحت أنقاض الصراع الدامي بين “الديكتاتورية” و”الشمولية”.

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.