نتائج كارثية لفشل عنان

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2012-04-11
1273
نتائج كارثية لفشل عنان
عبدالباري عطوان

 يخادع نفسه، والآخرين، من يعتقد انه يستطيع ان يتوقع ما يمكن ان تكون عليه سورية بعد اسبوع او شهر او عام، ولكن ما يمكن توقعه، او الجزم فيه، ان مبادرة كوفي عنان المبعوث الدولي لن تكون افضل من المبادرات السابقة، لان النوايا لدى جميع الاطراف، ودون اي استثناء ليست صادقة فيما يتعلق بتطبيقها كاملة، وبما يؤدي الى الخروج من هذه الازمة الدموية بأقل الخسائر. 
النظام السوري يريد اجتثاث المعارضة من جذورها وفرض سلطته على جميع انحاء البلاد بالقوة ومهما بلغ عدد الضحايا، والمعارضة تريد اسقاطه سواء بتدخل عسكري خارجي او ثورة مسلحة او الاثنين معا، وكل ما يقال عن التزام الجانبين بخطة المبعوث الدولي هو مجرد تضليل. 
السيد عنان يقول ان السلطات السورية سحبت قواتها من مدن لتعيد تمركزها في اخرى، ويطالب بالتريث وتمديد المهلة الى يوم لو لزم الامر، ولكنه يرفض في الوقت نفسه القول ان العنف يجب ان يتوقف من دون شروط مسبقة في اشارة الى طلب السلطات السورية بتطبيق جزئي وادخال تعديلات على نقاط المبادرة الست.
الادارة الامريكية ومعها دول الاتحاد الاوروبي مجتمعة حكمت على مبادرة عنان بالفشل منذ الصباح الباكر، وقالت ان نظام دمشق لم يحترم تعهداته، اي الانسحاب من المدن ووقف اعمال القتل، وطالبت مجلس الامن الدولي بتقييم الوضع على هذا الاساس والتدخل لوضع حد لاعمال العنف.
لا احد يعرف ما مغزى هذه التصريحات الامريكية، فكيف سيتدخل مجلس الامن ويتخذ اجراءات عقابية ضد النظام السوري في ظل وجود 'الفيتو' الروسي الصيني المزدوج المشهر في وجه اي عقوبات اقتصادية او تدخل عسكري اقليمي او دولي في هذه الازمة. 
رجب طيب اردوغان رئيس وزراء تركيا واللاعب الاقليمي الابرز في الملف السوري طار الى بكين، وحط الرحال بعدها في العاصمة السعودية الرياض، وفي العاصمة الصينية وقع عقودا تجارية ضخمة تقدر بمليارات الدولارات، اما محادثاته مع العاهل السعودي فقد تركزت حول الاوضاع في سورية دون تقديم اي معلومات اضافية.
' ' ' 
المملكة العربية السعودية هدأت قليلا تجاه الازمة السورية او في العلن على الاقل، وتراجعت بشكل ملحوظ عن حماسها الذي عبر عنه بوضوح الامير سعود الفيصل وزير الخارجية الذي انسحب على غير العادة من اجتماع وزراء الخارجية العرب في القاهرة، واكد ان بلاده ستسلح المعارضة السورية للدفاع عن الابرياء الذين يقتلهم النظام، وايدتها دولة قطر دون تحفظ. 
بالامس نقلت صحيفة 'الشرق' السعودية عن مصدر سعودي كبير لم تذكر اسمه، قوله ان المملكة لم تقدم قطعة سلاح واحدة للمعارضة السورية، وجاء هذا التصريح المصاغ بعناية تأكيدا لنفي متحدث باسم الجيش السوري الحر وصول اي سلاح من السعودية او غيرها. 
التراجع السعودي ربما يكون راجعا الى حسابات دقيقة في ظل الظرف الحرج الذي تمر به المنطقة فمن يطالب بتسليح معارضة الاخرين يعطي شرعية لمن يتربصون لتسليح معارضته واذا لم تكن هناك معارضة في الوقت الحالي فقد تجد من ينشئها في المستقبل. 
وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف كان اول من التقط طرف الخيط، واتهم السعودية بدعم الارهاب وتسليحه، وبادرت محطات التلفزة السورية الى استضافة معارضين سعوديين كان محرما عليهم الظهور فيها ايام شهر العسل السوري السعودي الذي امتد لعقود.
اللافت ان الكثيرين يتحدثون عن انهيار مبادرة كوفي عنان قبل ان تدخل حيز التنفيذ، ولكن لم يتطرق احد الى احتمالات نجاحها وهي اخطر من احتمالات فشلها بكثير. 
النقطة الثالثة من هذه المبادرة تنص على حق الشعب السوري في التظاهر سلميا دون اي تدخل من الدولة وقوات امنها، لنفترض ان السلطات السورية التي وافقت على هذه المبادرة ونقاطها مجتمعة، انسحبت من المدن المستهدفة، مثل حمص وادلب وحماة ودرعا ودير الزور (القائمة تطول) وانتشرت قوات المراقبة الدولية فيها، وخرج مئات الالاف او الملايين في مختلف هذه المدن للتظاهر ضد النظام، فهل ستقف اجهزة الامن السورية مكتوفة الايدي، او تقذف المتظاهرين الذين يطالبون باسقاط النظام بالورود والرياحين؟
المرجح ان قوات الامن التي لا تستطيع تحمل صوت واحد مخالف ستعود الى سيرتها الاولى وتطلق النار على المتظاهرين، وستدعو القيادة السياسية الجيش الى التدخل بقوة مثلما فعل دائما، وهكذا تعود الازمة الى المربع الاول. 
' ' ' 
كوفي عنان، الذي ظهر فجأة دون اي مقدمات، وبعد سنوات من البقاء في الظل، يعرف جيدا ما يفعل، مثلما يدرك مسبقا ان مهمته لن يكتب لها النجاح، او بالاحرى لا يجب ان تنجح، فطرفا الازمة، النظام والمعارضة، يريدان الفشل لا النجاح، للاستعداد للمرحلة التالية. فالنظام لا يريد الحوار مع معارضة لا يعترف بها فقط بل يريد تصفيتها، والمعارضة لا تريد الحوار مع نظام قتل اكثر من عشرة الاف من السوريين ومستعد لقتل المزيد.
النظام السوري يزداد تغولا في تطبيق حلوله الامنية، ويحاول كسب اكبر قدر ممكن من الوقت، وكذلك اعداؤه الذين اجتمعوا في استانبول قبل اسبوعين تحت عنوان 'اصدقاء سورية'، النظام يريد كسب الوقت لانهاء المعارضة بالقوة المفرطة، واصدقاء سورية يريدون كسب الوقت حتى تحسم الولايات المتحدة امرها تجاه الملف الايراني، الذي يشمل الملف السوري في المعية (اشتر قطعة وخذ الثانية مجانا). 
قصف معسكرات اللاجئين في تركيا ومقتل اثنين واصابة ستة اخرين تطور استفزازي لتفجير حرب، ربما مع تركيا، بصورة استباقية، ولا نعتقد ان النظام السوري الذي اقدم على هذه الخطوة (اذا تأكدت الانباء في هذا الخصوص) لا يدرك تبعاتها. فهل تركيا جاهزة، او راغبة، لخوض حرب ضد سورية في الوقت الراهن؟ 
روسيا التي ساندت النظام السوري بقوة عسكريا وسياسيا، هي الدولة الوحيدة المؤهلة لكي تلعب دورا حاسما لايجاد مخرج من هذه الازمة التي تهدد بتفجير المنطقة بأسرها، تستطيع روسيا، لو ارادت، ان تصيغ مبادرة مقبولة من المجتمع الدولي، ويتم فرضها على النظام والمعارضة معا، والدول العربية التي تدعم الاخيرة خاصة. 
مبادرة عنان فاشلة، بل ميتة قبل ان تبدأ، ولا بديل عن مبادرة روسية، والا فاننا مقدمون على كارثة كبرى، ربما يذهب ضحيتها مئات الالاف من الابرياء، وعلينا الا ننسى ما حدث في الجزائر، والنظام السوري يتصرف بعقلية انتحارية، وقد يأخذ معه الكثيرين الى هاوية بلا قرار، سواء اذا نجا او لم ينج. 

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :

اردني13-04-2012

انا احترمك يادكتور منذ مجئك الى الاردن
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.