احمد حسن الزعبي

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2012-04-19
1990
احمد حسن الزعبي
بسام الياسين

 

تمنيت ان احظى بخاتم سليمان،او مصباح علاءالدين لاستحضار العفاريت عند الكتابة عن احمد حسن الزعبي،  لتسخيرهم في بناء درجٍ  منحوتٍ من الابجدية العربية،بعدد حروفها الثمانية والعشرين،حتى أصعد عليها حرفاً حرفأ، لمعانقة هذا المبدع الاستثنائي،محتفظاً بهمزة الوصل التاسعة والعشرين،لإعلقها على صدره من ناحية القلب،وسام حب،وهمزة وصل بينه وبين جمهوره الكبير الممتد من العقبة الى الرمثا.وكم تمنيت ان امتلك شفافية الملائكة لأرتقي السلم الموسيقي،بدرجاته السبعة، نغمة نغمة ،على دندنة لحن شجي،كي أُقبّلَ جبهته الوضاءة التي تُشرق منها شمس الابداع كل صباح، مستبطناً مظفرالنواب:"كم انت تحب الخمرة والمرأة واللغة العربية؟!"ومستذكراً"زرياب"موسيقار العرب،عندما كان يُبكي الحضور ويُفرحهم،على انغام عوده الشجي الذي زاد اوتاره الاربعة وتراً،واستبدل الريشة الخشبية المتخشبة المستخدمة في العزف،بريشة منحوتة من عظام قوائم النسور المُحلقة،ليحلق بالحانه الى مافوق النجوم.

  ***

لكن تجربتي الحياتية علمتني، ان باب الاماني مجرد اضغاث احلام، فدعوت الله الحيي الكريم الذي يستحي من عبده، اذا رفع يديه ان يردهما صفراً،بان يمنحني القدرة على السباحة في بحر الالوان للوصول الى شواطىء قوس قزح الذي نصبته حوريات البحر على بوابة الرمثا،للفتى الجميل الذي صفق له الاردنيون،ازيد من اربعة اشهر ومازالوا،حتى تسلخت اكفهم الخشنة،فيما استبدل بعضهم الآخر جلد يديه ليعاود التصفيق من جديد.

*** 

  بدهية معروفة ان اللغة عاجزة وضيقة، اذ انها لاتتسع لقامة سامقة شامخة تتدلى منها عناقيد الابداع كقامة احمد،و لاتفيه  حقه،فمهما بلغ الكاتب علواً في فنونها،ومهارة في مموسقتها،واللعب على اوتارها،يبقى اضعف من القبض على ناصيتها،لانها مهرة برية على الاستسلام بسهولة.فالحداد يُطّوع الحديد بالنار،والنحات يُخًلقُ  منحوتاته ويستنطقها بالازميل،لكن قماشة اللغة غير مطواعة، امام عمق المشاعرالفياضة،وشفافية الأحاسيس الجياشة.لذلك كنت حائراً بين فكرتين.هل انظم شعراً في احمد واستريح ام اكتب مقالة ،واكون كمن يبيع "الميه في حارة السقايين"؟!

***

لم تطل حيرتي حتى جاءني الردالعقلاني الحاسم،بأن احمد الزعبي اكبر من الكلمات،واحلى من السمفونيات، واجمل من كل الالوان،ولابد من مغامرة الكتابة،رغم ان اسلوبه بالغ العذوبة،باذخ الجمال،يمتاز بإلايجاز والاعجاز،ولغته تحمل على اجنحتها بهجة الموسيقى التصويرية ،وإنسجام  الالوان البديعة، كلوحة لرسام عبقري مجنون مثل "سلفادور دالي".لغة تحفر في اغوار روحك كما قصيدة لعاشق من طرف واحد،فهي من الصعوبة ان تُنسى او تُمحى،لانها مُستلة من روح صوفي محلق فيه شفافية الضوء،ورقة النسمة،وعبق الزهرة،وترنيمة الطائر،الابلغ انها لغة فوق العادية تدير الرؤوس اكثر من الكؤوس،كأنها منقوعة في خوابي الماء  الذي حوله السيد المسيح الى نبيذ معتق،في اعالي الجليل،بلمسة إعجازية من اطراف اصابعه النبوية.

*** 

إننا امام موهبة إبداعية متجددة ،يضيق عنها نطاق النطق،ويعجز عنها وصف الوصف،مبدعها صوفي نقي، يفتح قلبك على عوالم النور،حتى تصرخ مرغماً ..الله الله يااحمد.. ثم ينفلت عقال لسانك مُنشداً :الله الله يااحمد التقي القلب،الطاهر اليد،العف اللسان،الصادق مع الله،الصادق مع نفسك،الصادق مع الناس..الله الله..ماشاء الله،اكتب وارتقِ حتى تلامس الغمام،واستقطره ماءً زلالا في دنان مُحبيك حتى يسقطوا في غيبوبة الوجد،ويخلعوا اجسادهم المادية  ليدخلوا في نورانية "نرفانا" الخلاص.

***

ياالله ..لغة تمنح الفرح الاصيل،فيها لذعة البهار الهندي الكاوي،واحساس العاشق القابض على جمرة اللحظة الجميلة الحارقة بقوة،خوفاً ان تتفلت منه...ياالله سواليفك يااحمد اشبه بالترانيم الكنائسية في افراح اعياد الميلاد المجيد،وقريبة لشوشات تسابيح الله في الحضرات الصوفية،وهمسات العشاق الذابلة المخطوفة في الاماكن العامة،ومناغاة الاطفال بعد قبلة مبلولة بمشاعرالامومة الفوارة.

*** 

احمد الزعبي ماركة مسجلة غير قابلة للمحاكاة او التزوير او الاستنساخ،هو نسيج وحده،شيفرة عصية على الفكفكة او التقليد، لانها دمغة رمثاوية، لايعرف سرها سوى باريها "والختيارية" ذات عتمة. المدهش ان هذا الاحمد الجسور قفز من دون مظلة من زاوية سواليفه الى فضاء خشبة المسرح الاخطر بين فنون،رغم معرفة الجميع ان المسرح الاردني مازال يحبو،ورواده اقل من رواد مطعم افخم زمن المجاعة،الا ان مسرحيته الفريدة المتفردة،ذات الخصوصية خاصة "الآن فهمتكم"،قلبت الهرم على رأسه،وشلعت المألوف من جذوره،فزحف إليها الاردنيون في مسيرات تضاهي مسيرات الحسيني،وباعداد تفوق مسيرات المحافظات.ولا اجانب الحقيقة "وهذا رأيي الشخصي:"الآن إبتدأ المسرح الاردني"بالتقاء الثالوث العبقري/ الزعبي،حجازي،الضمور/ في مسرح ناضج تقدمي، بعيداً عن التزلف والتكلف،متحرراً من اللغو والغلو واللغوصة.ابسط ماعلم الناس التحرر من عادتهم القديمة القبيحة،التلذذ بالتذلل لكبار المسؤوليين،واحترام كل واحد لكرامته وآدميته،فمعيار قيمة الانسان ما يقدمه للناس،وليس بالكرسي الذي تدحرج عليه الى اعلى الرتب بالواسطة او الوراثة،مثل كراسي المقعدين الحديثة ذاتية الدفع.  

*** 

احمد شخصية شفيفة خصبة،ذو موهبة جارفة،عالية التوتر،وموجة اثيرية بعيدة المدى والتردد،و ذائقة  فنية تَجلُ عن الوصف،وفيوضات روحية ترتقي الى منازل اكابر البررة،مما يؤهله ليكون صاحب حظوة وخطوة على المدى المنظور ـ بإذن الله ـ. ففي الوقت التي اخفقت فيه الرياضة والادب و السياسة والاعلام والفن والعنتريات الفارغة في نقل الاردن خارج الحدود الا في ـ حالات محدودة وخجولة جداً ـ ،فان الأمل معقود على الاحمد في  ان يحمل الشعلة الاردنية ليركض بها حول الكرة الارضية كبطل من ابطال الاولمبياد العظام.

***  احمد "الان فهمتك" أكثرمن اي وقت مضى،رغم اني اتصبح فيك كل صباح،لذلك ارجوك ايها الحبيب ان لاتنسانا،وانت في طريقك الى العالمية من دعواتك الصادقات،لان الدعاء مستجاب في ظهر الغيب ... لك دعائي بعد كل صلاة،وفي كل ساعة مناجاة، مع الله.

 

 

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :

مصطفى العوامله14-04-2012

إنهم رجال صدقوا ما عاهدوا الوطن علية إنهم أحمد الزعبي ، وعماد حجاج ، وموسى حجازين ، إنهم فتية أمنوا بالوطن ومعاناة المواطن ، فصدق ايمانهم ، فكان إصرارهم شديد على كشف أمراضه وتشخيص أسبابها ووضعها أمام الشرفاء من ابناءه للتعاون على تعريةأفآته والعمل على
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

مصطفى العوامله14-04-2012

اجتثاثها من الجذور ، فكانوا نعم الناصحين المخلصين بطريقتهم التي تدخل الوجدان والمشاعر فتستقر بها ، وتحفر في الأحاسيس صور القهر والتمزق والإنفلات ، وتعري شخوص الفسادأمام أنفسهم ، فتفضح فعالهم وتجعلهم عراة أمام الشعب ، وضميره الحي ، فتوقض مشاعر التحدي والمواجهة ، نعم يا صديقي بسام أبو محمد ، فقد صورت احمد بأجلى صورة ، وعكست ما بداخله من ألم وتوجع على الوطن والمواطن ، وغيرة
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

مصطفى العوامله14-04-2012

وحمية صادقة في أحاسيسه ومشاعره ، وقد شكل مع موسى حجازين ثنائيا مذهلا في (الآن فهمتك ) فنقل للشعب ما فهم وأجاد ، كما شكل مع عماد صورة االحصيف العالم بأمراض المجتمع واضعين إصابعهما على الجروح المتقيحة ، بأسلوبهم الرشيق المُعري ، النافذ الى أعماق الأعماق ، بسلاسة وتقبل راق فكرمة العلى وأحساسها الفطري بالقهر والأنسحاق ، وأبو محجوب وتحركاته وتجواله في كل الأتجاهات ، وسمعة الذي ذاعت سمعته ، ليصبحوا أدوات فاعلة محركة للحراك في كل الإتجهات ، لقد أجملت ووفيت للأحمد الجميل بعض حقة فكنت رائعا في كتابتك عن هذا الشهم النبيل ، فجازك الله عن كل الشرفاء خيرا يا ابا محمد الياسين ، فقد اضأة الكشافات الساطعة على هذا الشاب اليانع وصورته بأحلى الصور
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

هيثم الحمود14-04-2012

سبق وان كتب الاستاذ الياسين مقالة رائعة عن النائب الشاب غازي عليان وكانت مقالة لافتة و اليوم يكرم كاتبا شابا من المبدعين على الساحة الاردنيةالاستاذ احمد حسن الزعبي،و هما يستحقان التكريم. فلماذا لايقوم الكاتب كل شهر بكتابة مقالة تتناول احد الشباب الاردنيين المبدعين كالنائب عليان رجل اعمال وسياسي واحمد الزعبي رجل ادب وصحافة ولتكن الشخصية الثالثة الكاريكاتير كالمبدع عماد حجاج ثم جمع هذه المقالات في كتاب على نفقة الامانة وتوزيعه على مكتبات شومان والبلديات والنوادي ومراكز الشباب والمدارس حتى يتعرف الشباب على هؤلاء النخبة المتميزة الذي حفروا بالصخر تاريخ وطنهم فلقد قرفنا من الحرس القديم واشبعونا كذبا ونهبا ولم يقدموا للاردن سوى الفضائح لذلك لابد من إحلال النخبة الشابة في ميادين الادب والرسم والسياسة والمال والفن والكرة مكان الشلة الفاسدة لذلك لابد من الكتابة عنهم حتى يكونوا قدوة للاجيال القادمة واقبلوا اقتراحي
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

مصطفى العوامله19-04-2012

رد على هيثم الحمود :
ارجو من اخي هيثم توخي الحذر والتيقض في اختيار من ترغب في تكريمهم حتي لا يختلط الحابل بانابل





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.