حقائق ومزاعم

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2012-04-16
1635
حقائق ومزاعم
عريب الرنتاوي

 يزعم النظام السوري اتكاءه إلى قاعدة شعبية عريضة، توفر له وحده الحق في ادعاء تمثيل الشعب السوري وخدمة تطلعاته ومصالحه...زعمٌ كهذا، تكرره المعارضة التي سعت وراء لقب “الممثل الشرعي الوحيد”، وهي ترى أن مجرد وقف إطلاق النار على المتظاهرين، كفيل بإخراج ملايين السوريين، في أوسع زحف شعبي على مؤسسات النظام ورموزه، وأن امر “اكتناسها” سيصبح مسألة “أيام وأسابيع” لا أكثر ولا أقل.

بين هذين “الزعمين”، ثمة تقديرات عربية وغربية، أكثر اتزاناً وتوازناً...تزعم بدورها أن النظام يحظى بتأييد “نصف الشعب السوري”، ومعارضة “نصفه الآخر”...أما النصف المؤيد (اقرأ غير المعارض)، فيضم مروحة واسعة من سوريي الأقليات القومية والطائفية (30 بالمائة تقريباً)، فضلا عن “البرجوازية السنيّة” المتمركزة في المدن الكبرى (حوالي 20 بالمائة)، ما يعطي النظام “ورقة قوة” لم تتوفر للنظم البائدة في مصر وتونس وليبيا على أقل تقدير، فضلاً بالطبع عن تماسك المؤسسة العسكرية والمدنية والسياسية للنظام، بخلاف ما سبقه في تجارب التغيير الثلاث المذكورة.

أما النصف المعارض للنظام، فيتكون في الأساس من قوى اجتماعية وسياسية، “سنيّة” في غالبيتها العظمى، تتوزعها ثلاثة أجسام رئيسة، وعشرات الأجسام والكيانات الفرعية المتناثرة والمتنافرة...المجلس الوطني السوري (معارضة الخارج) الذي يقوم أساساً على جماعة الإخوان المسلمين ونفوذها المتزايد، هيئة التنسيق لقوى التغيير الديمقراطي (معارضة الداخل)، التي تتكون أساساً من أحزاب وشخصيات قومية ويسارية والمجلس الوطني الكردي، الذي يضم غالبية الأحزاب الكردية، وتسيطر عليه أساسا أجندة من بند واحد: المسألة الكردية في سوريا.

مثل هذا التوصيف، على بساطته، يبدو الأقرب إلى الدقة والموضوعية...بيد أننا لا نستطيع أن نجزم ما إذا كان هذا التقدير دقيقاً تماماً، والأهم، أننا لا نعرف ما إذا كان أصيلاً وثابتاً...لا نعرف “تحوّلات” المواقف والمواقع في أوساط الكتل السياسية والاجتماعية المختلفة، وكيف انتهى بها المطاف بعد أزيد من عام على الثورة، وأكثر من عشرة آلاف قتيل وأضعافهم من الجرحى ومئات ألوف النازجين والمهجرين من وطنهم وفي وطنهم، ناهيكم عن تداعيات الضائقة الاقتصادية والمعيشية التي تعتصر ملايين السوريين.

إن كان ثمة من أهمية لمبادرة كوفي عنان ومهمته، إذا قدّر لها أن تنتقل إلى حيز التنفيذ، فهي أنها المبادرة الوحيدة التي ستوفر لنا فرصة التعرف على الحقائق كما هي عليه على الأرض...لسبب بسيط، أنها المبادرة الوحيدة، المدعومة دولياً، التي ستوفر للسوريين، فرصة التعبير عن مواقفهم وانحيازاتهم واصطفافاتهم، فرصة التعبير عن موقفهم من النظام والمعارضة على حد سواء، وهذا ما نأمل أن يحصل، وأن يحصل بسرعة كذلك.

يوم الجمعة الفائت، خرجت عشرات ألوف السوريين في 700 تظاهرة في مختلف الأرجاء السورية...هذا تطور مهم، رأى فيه بعض المعارضة أنه تعبير عن توق الشعب لإسقاط النظام، ورأى فيها بعضهم الآخر، فرصة ذهبية، لنزع “العسكرة” و”إعادة الاعتبار للطابع المدني/الشعبي/السلمي للثورة السورية...لكن المتأمل للمشهد السوري لا يستطيع أن يقبل بالفرضية الأولى من دون تمحيص...فما معنى أن يخرج عشرات الألوف فقط في بلد يناهز تعداده الخمسة وعشرين مليون مواطن...هذا الرقم أكثر تواضعاً، من أي مظاهرة شهدتها “تعز” اليمنية، لكن الأمر الذي لا يجوز أن يغيب عن الأذهان، هو أنه من السابق لأوانه الحكم على “جماهيرية” الانتفاضة السورية والجزم بأن هذا هو كل ما لدى الثورة من قواعد شعبية وجماهيرية، سيما وأن “شلال الدم” لم يتوقف حتى بعد دخول “وقف النار” حيز النفاذ....دعونا ننتظر قادمات الأيام و”الجمع”.

أما الفرضية الثانية، فهي صحيحة تماماً، ونؤيدها تمام التأييد...وهي توفر فرصة للمعارضة لتصحيح المسيرة والمسار، ووقف انزلاق سوريا إلى أتون العنف الأهلي والاصطراع الطائفي والمذهبي...هي فرصة لتحييد “القوة العسكرية الغاشمة”، ووضع النظام في “خانة اليك”، ووضع حلفائه أمام مسؤولياتهم السياسية والأخلاقية...فإن كانت “المؤامرة” بما هي إرهاب و”جماعات مسلحة” و”تدخل استخباراتي”، فإن مبادرة عنان توفر الفرصة لتحييد “المؤامرة” و”أدواتها”، وإن كان ما يجري هو تعبير أصيل عن حق الشعب في الحرية والكرامة، فما على النظام، إلا أن يحمل عصاه ويرحل، وإلا فإنه سيضطر لخوض المواجهة بعدد متناقص من الحلفاء والمؤيدين، ومصير محتوم.

مبادرة عنان، فرصة للنظام والمعارضة...بيد أنها فرصة مفخخة بالتحديات الجسام، أهمها البرهنة على أن الشعب بكتلته الرئيسة يقف مع هذا الفريق أو ذاك...فإن بدا أن الانقسام حاصل لا محالة، وهذا أمرٌ مرجح، فليس من طريق للخروج من الأزمة، سوى بالحوار والتسويات، ومن دون ذلك فلا أقل من المقامرة بمستقبل سوريا، الدولة والمجتمع والكيان والخرائط.

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.