الفصل الأخير لانهاء احتلال العراق

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2012-04-16
1332
الفصل الأخير لانهاء احتلال العراق
نقولا ناصر

 إن ما يقوله اليوم الشركاء السابقون في "العملية السياسية" في بعضهم بعضا وفي هذه العملية, بعد أن أقصاهم رئيس الوزراء نوري المالكي عن "جمهورية المنطقة الخضراء" في بغداد التي أقامها الاحتلال الأمريكي, لم يعد يترك للشعب العراقي ومقاومته الوطنية ما يقولون فيهم وفيها.

لكن تكالب هؤلاء الشركاء السابقين على المحاصصة في اقتسام فتات مغانم الغزو الأجنبي قد نسف "الشراكة" التي حاول الاحتلال أن يقيمها بينهم من جهة وبينهم وبينه من جهة ثانية, مما أوصل هذه العملية إلى الطريق المسدود الذي تواجهه الآن ووضعها على شفير الانهيار, وهو انهيار متوقع ومحتوم.

وهم اليوم يتمادون في فسادهم منتظرين الفرصة السانحة التي تتيحها الفوضى العارمة الناجمة عن هذا الانهيار للخروج بأكبر المغانم, لأنهم يدركون بأن انهيار "العملية السياسية" قد أصبح مسألة وقت فقط, وبأن العد التنازلي لهذا الانهيار يتسارع, ليكتب انهيارها الفصل الأخير لانهاء الاحتلال الأمريكي للعراق, وهو الفصل الذي تعتبره المقاومة العراقية مهمتها الرئيسية حاليا لطي الصفحة الأخيرة من الاحتلال.

غداة انفجار قضية "نائب رئيس الجمهورية" طارق الهاشمي أعلن رئيس الوزراء نوري المالكي أن "العملية السياسية لن تنهار" بسبب هذه القضية. لكن زعيم كتلة "العراقية" إياد علاوي يقول إن ما يحدث في العراق اليوم هو "انقلاب" على هذه العملية.

كما أن دعوة "رئيس الجمهورية" جلال طالباني إلى "مؤتمر وطني" للشركاء في هذه العملية من أجل إنقاذها من "انقلاب" المالكي عليها, ثم دعوة مسعود برزاني رئيس اقليم كردستان العراق إلى مؤتمر "عاجل" كهذا من أجل "تجنب انهيار العملية السياسية", وتدخل الأمين العام للأمم المتحدة بان كي - مون مناشدا هؤلاء الشركاء إنجاح هذا المؤتمر باعتباره "فرصة مهمة" لانقاذها كما قال في ملاحظاته على التقرير الدوري الذي رفعته بعثة الأمم المتحدة في العراق إلى مجلس الأمن الدولي مؤخرا, وتدخل الرئيس الأمريكي باراك أوباما لدعم عقد هذا المؤتمر في مكالمة هاتفية مع المالكي, ومسارعة برزاني بعد ذلك إلى الاستنجاد بالمهندس الأمريكي لهذه العملية من أجل إنقاذها خلال زيارته الأخيرة لواشنطن, إنما هي وغيرها دلائل واضحة على أن هذه العملية تلفظ أنفاسها الأخيرة.

وسواء انعقد هذا المؤتمر أم لم ينعقد, فإن فشله يبدو نتيجة مؤكدة له, فالمالكي الذي سبق له التوقيع على تعهد من خمس عشرة نقطة للحد من سلطاته المتسعة كل يوم, وسبق له الموافقة على تسعة عشر مطلبا لاقليم كردستان, لم يلتزم بأي منها حتى الآن, وليس من المتوقع أن يلتزم بأي اتفاق جديد بين الشركاء في "العملية السياسية" حتى لو اضطر تكتيكيا إلى التوقيع على اتفاق كهذا.

إن مستقبل العراق يعتمد على وحدته, كما قال الكاتب العراقي محمد عاكف جمال في عنوان مقال له نشرته "غولف نيوز" باللغة الانجليزية يوم الثلاثاء الماضي, ولا يختلف معه اثنان في ما كتب, لكن وحدة العراق تعتمد على وجود سلطة مركزية في بغداد, ووجود سلطة كهذه يعتمد بدوره على كونها وطنية غير طائفية أو عرقية أو قبلية أو فردية وعلى كونها ممثلة لهوية الأكثرية العربية المسلمة في البلاد.

غير أن الوضع الراهن في بغداد هو على النقيض تماما وينطبق عليه ما كتبه سيث كابلان عن "الدول الهشة" في مقال له يوم الأربعاء الماضي, فالعراق يعاني اليوم من "تشظي الهوية السياسية" ومن "ضعف المؤسسات الوطنية", وهاتان مشكلتان "بنيويتان .. تعززان بعضهما في حلقة مفرغة تقوض شرعية الدولة على نحو خطير وتقود إلى ترتيبات سياسية غير مستقرة للغاية ويصعب إصلاحها". وهذا توصيف لـ"العملية السياسية" التي يحاول الشركاء السابقون فيها إنقاذها اليوم, وهو توصيف لاستحالة إنقاذها, يجعل انهيارها مسألة وقت فقط إن عاجلا أو آجلا.

إذ لا توجد حتى الآن دولة في العراق يخشى عليها من التقويض, فهذه الدولة قوضها احتلال عام ,2003 وقد صممت "العملية السياسية" بحيث تضمن ألا تقوم لها قائمة مرة أخرى, طالما استمرت هذه العملية, وقد فشلت هذه العملية في بناء دولة بديلة, وكان المراد منها أصلا أن تبني سلطة حكم لا دولة لها, وأصبح المواطن العراقي العادي يدرك جيدا اليوم أن إنهاء هذه "العملية السياسية" هو شرط مسبق لا غنى عنه لإعادة بناء الدولة العراقية. 

إن انهاء "العملية السياسية" التي هندسها الاحتلال الأمريكي للعراق بعد الغزو هو الذي يؤذن حقا بفشل "مشروع القرن (الحادي والعشرين) الأمريكي الجديد" الذي وضعه المحافظون الأمريكيون الجدد عام 1997 ، ويؤذن كذلك بفشل وهزيمة مشروع احتلال العراق الذي قاده الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن الذي تبنى وضع ذلك المشروع موضع التطبيق في الشرق الأوسط انطلاقا من العراق.

في الثاني والعشرين من الشهر الماضي, شهد شاهد من أهل الاحتلال بأن "التدخل (الأمريكي) في العراق يبين قصور" المشروع و"العملية السياسية" التي رسمت لتنفيذه على الأرض العراقية, كما كتب مايكل بل, رئيس لجنة المانحين للصندوق الدولي لإعادة إعمار العراق بين عامي 2005 و2007 ، في الثاني والعشرين من الشهر الماضي, ولاحظ بأنه "منذ رحيلهم, بذلوا (أي الأمريكيون) أفضل جهودهم لمساعدة المالكي" في بناء "دولة عراقية قابلة للحياة", وفي دولة المالكي هذه, كما قال, "يخاطر أي شخص يعتبر تهديدا بحياته", ليخلص إلى القول إن الأمريكيين والعراق أمام خيارين اليوم: ف¯"إما أن ينجح المالكي في تعزيز حكمه الفردي, أو يتفكك العراق ذاتيا, ليتشظى إلى سلسلة كيانات شبه مستقلة على أساس الديانة والعرق والقبيلة".

ومن الواضح أن للمالكي خطته الخاصة لتنظيم وكالة "عراقية" للمصالح الأمريكية في العراق تختلف عن مخطط الاحتلال الأمريكي لتنظيم وكالة كهذه من خلال "العملية السياسية" التي رسمها لها. وهو في خطته يعتمد على التأييد الأمريكي له ولبديله, كبديل أمر واقع وحيد لم يعد للأمريكيين بديلا غيره, يفرض عليهم التقاطع مع سنده الثاني في إيران, مما يفسر فشل زيارة مسعود برزاني الأخيرة لواشنطن.

ذهب برزاني إلى واشنطن مستنجدا بها ضد المالكي ومحرضا لها عليه, بعد أن نجحت فردية حكم المالكي وطائفيته في إقصاء شركائه في "العملية السياسية", فحرم بذلك برزاني وطالباني من دور "صانع الحكام" الذي منحه لهما الاحتلال الأميركي, بحرمانهما من دور الوسيط بين الشركاء كلما تنازعوا, فلم يعد يوجد شركاء يتنازعون على حكم "جمهورية المنطقة الخضراء" للتوسط في النزاع بينهم, فقد اصبح حكمها حكرا خالصا للمالكي وحزب الدعوة وائتلاف "دولة القانون" اللذين يقودهما. لقد ولى زمن "الفيتو الكردي" الذي أسقط إبراهيم الجعفري كرئيس للوزراء, ففي مواجهة المالكي, أصبح سيف هذا "الفيتو" مثلوما. 

إن "ترضية" برزاني في واشنطن باستقباله كما يستقبل رؤساء الدول, وبتكرار "التزامها بعلاقة وثيقة وتاريخية مع كردستان والشعب الكردي" لم تستطع إخفاء "تشجيع الرئيس برزاني على استمرار المشاركة في العملية السياسية" التي يقودها المالكي في بغداد. أما تلويحه بالانفصال عن طريق استفتاء أكراد العراق على "تقرير المصير" فردت عليه السفارة الأمريكية في العاصمة العراقية ببيان أكد دعم الولايات المتحدة لعراق موحد في إطار الدستور الفدرالي. وكان ترشيح برت ماكجورك سفيرا أمريكيا جديدا في بغداد - وهو الذي أقنع إدارة أوباما بأن المالكي, وليس علاوي, هو رجل أمريكا في العراق الجدير بدعمها - أحدث مؤشر إلى انحياز واشنطن للمالكي. 

لكن السلطة المركزية التي يحاول المالكي ترسيخها في بغداد كبديل لـ"العملية السياسية" محكوم عليها مسبقا بالتحطم على صخرة طائفيتها وفرديتها وإقصائها للآخرين واحتكارها لسلطة لا دولة لها, ولن يمضي وقت طويل قبل أن تلاقي خطته المصير ذاته الذي لاقته خطة الاحتلال الأمريكي المتمثلة في "العملية السياسية" إياها. وبانتظار انهيار وشيك للبديلين, ينتظر الشعب العراقي ومقاومته الوطنية نهاية الفصل الأخير لإنهاء احتلال العراق وتحريره.

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.