صموئيل بيكيت إذ يوصّف حال الفلسطينيين اليوم ؟!

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2012-04-18
1344
صموئيل بيكيت إذ يوصّف حال الفلسطينيين اليوم ؟!
عريب الرنتاوي

 لا شيء يشبه الوضع الفلسطيني مثل مسرحية الكاتب الإيرلندي الأشهر صموئيل بيكيت، مؤسس مسرح «العبث» و»اللامقعول»: «في انتظار غودو»... لا شيء يحدث...لا شيء مُنتظر أو يُرتجى...لا شيء مترابط أو بمقدمات محددة تقود إلى نتائج محددة...الجميع في حالة انتظار...إنهم جميعاً في انتظار غودو الذي لا يأتي أبداً.

وغودو في حالتنا الراهنة لا يُمثّل الظهور المُتجلي للمسيح عليه السلام....ولا هو «المهدي المنتظر» الذي سيقيم العدل في الأرض بعد فوضى وظلم وخراب...غودو هذا، هو «اللاشيء»...أو بالأحرى، هو «الموت البطيء» المترتب على تسرب «نسغ الحياة» من عروقنا، وتقطيع أوصال أجسادنا المنهكة...غودو هنا هو «اللامنطق» و»اللاحوار» و»اللافعل» و»اللاإرادة»...غودو هنا هو «العبث» مُعيّناً.

لا مواعيد ولا استحقاقات على الأجندة الوطنية، بعد أن غادرنا استحقاق أيلول ومن بعده استحقاق 26 يناير، الذي قيل فيه، أن اليوم الذي سيعقبه لن يكون كاليوم الذي سبقه...لقد صار تاريخنا المعاصر هو تاريخ الاستحقاقات التي يجري القفز من فوقها بكل خفّة...طارت الاستحقاقات، فيما «واقع الحال مُقيم»، تماماً مثلما كان الشهيد ناجي العلي يكتب، عندما يضطر أحياناً للامتناع عن الرسم: «ناجي على سفر وواقع الحال مُقيم»...لا استحقاقات في الأفق سوى «مفاوضات الرسائل المتبادلة»، والتي استبدلنا (أو اختصرنا) بها، شتى أشكال وصنوف المفاوضات التي مررنا بها: المفاوضات المباشرة وغير المباشرة، محادثات التقريب و»مفاوضات الكوريدور» ودبلوماسية «القنوات الخلفية»، وهي مفاوضات لا تقل عبثية عن سابقاتها، و»مكتوبها» يُقرأ من عنوانه.

ليست «مفاوضات الرسائل» في جوهرها تقطيعاً للوقت فحسب...إنها تنهض شاهداً على إفلاسنا من الخيارات والبدائل التي طالما أكثرنا من الحديث عنها والتلويح بها...ما الذي لم نعرفه حتى الآن عن نتنياهو وحكومته وائتلافه، لكي نبعث إليه بمزيد من رسائل الاستيضاح والتوضيح...ما الذي لا يعرفه الإسرائيلي عن مواقفنا وثوابتنا وخطوطنا الحمراء والخضراء والصفراء، حتى نقضي الأسابيع والأشهر في تدبيج رسالة، صُوّرت كما لو أنها «فصل الخطاب» في العمل الوطني الفلسطيني...ما الذي أبقيناه للمفاوضات و»المساومات» ونحن الذين نستبق الرسائل المتبادلة، بسيل لا ينقطع من «اللاءات المعكوسة»....لا للمقاومة إن هي تخطت «مختبر» نعلين وبلعين...لا لحل السلطة أو حتى إعادة النظر في وظيفتها ودورها ومكانتها في نضال الحركة الوطنية الفلسطينية...لا لنزع الشرعية عن إسرائيل، طالما أن أقصى طموحاتنا هو نزع الشرعية عن بعض سياساتها...لا لوقف التنسيق الأمني، أو حتى الهبوط الاحتجاجي (الاضطراري) بسويته ومستوياته...لا لأي شبهةٍ أو إلتباس، بأننا سننقل بندقيتنا من كتفٍ إلى كتف...أو نبدّل بعض اصطفافاتنا وتحالفاتنا، من خندقٍ إلى خندق.

ما الذي سيدفع نتنياهو لأخذ رسائلنا على محمل الجد، وألا يلقي بها إلى سلة القمامة، حيث يحتفظ بعشرات الرسائل والمحاضر والاتفاقيات والمعاهدات والمواثيق التي نقضها سريعاً ؟...ولماذا نعطي أمر تسليم الرسالة كل هذا «التبجيل» و»الاحترام»، ونرسل بـ»ترويكا» فلسطينية مقابل إسحق مولوخو ؟...ونقبل اللقاء به في القدس، ونحن نلعن صبح مساء، من يصدر عنه أي موقف يشي بالاعتراف بالقدس عاصمة للدولة الاحتلالية ؟...لماذا نتجشم عناء كل هذه التنازلات لإيصال «الرسالة الخطأ» إلى «العنوان الخطأ» ؟.

لقد أمطرتنا القيادة الفلسطينية بوابل من التصريحات المدججة بأحاديث البدائل والسيناريوهات التي «عكفت» على دراستها وتمحيصها، وظننا أننا أمام انطلاقة جديدة للحركة الوطنية الفلسطينية، تستلهم دروس عقدين من «المفاوضات العبثية»، وتشرّع الأبواب والنوافذ لبعض دروس «ربيع العرب»...وتأخذ الحكمة من تجربة «سلطة لا سلطة لها ويُراد لها أن تكون شريطاً حدودياً جديداً، أو وكيلاً أمنياً لإسرائيل»...لكن يبدو أن أقصى ما وصلت إلى «الخلوة» و»الاعتكاف» و»المراجعة» و»الدراسة» و»التمحيص»، لم يتعد حدود «الكفاح بالرسائل المتبادلة»...فهل هذا ما انتظره الشعب الفلسطيني وينتظره من قيادته وممثله الشرعي الوحيد؟!....هل هذه هي «نهاية مطاف» أو «سقف» البدائل التي يلوّحون بها؟!.

كنا ننتظر رسائل موجهة للشعب الفلسطيني، فعلاً على الأرض، لا حبراً على الورق، تعيد الاعتبار للمنظمة كحركة تحرر وطنية لم تنجز أهدافها الرئيسة بعد...كنا ننتظر ترجمة لسقوط الرهانات على خيار «المفاوضات حياة»...كنا ننتظر مصالحة وطنية حقيقية، بين القيادة والشعب أولاً، ثم يأتي دور الفصائل...كنا ننتظر حراكاً غير هذا الحراك...وإرادة سياسية غير هذه...كنا ننتظر إن ندخل في ورشة عمل وطني كبرى، لإعادة الاعتبار لقضية فلسطين، بما هي قضية عودة وتقرير مصير واستقلال وحرية، لا كعملية سلام، تتعثر هنا وتتخبط هناك، تارة بانتظار بيان تافه لا يساوي الحبر الذي كتب به، يصدر عن الرباعية الدولية، وأخرى بانتظار «كتابنا وكتابكم»...أليس هذا هو «العبث» و»اللامعقول»...أليس هذا هو التعبير عن غياب «الفعل» و»الإرادة» و»الرؤية»...أليس هذا هو الموت البطيء لقضية شعب، بل وللشعب نفسه...ألم يصدق صموئيل بيكيت في توصيف حالنا الراهن، وآفاق مستقبلنا القادم؟

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :

خالد منصور24-04-2012

لايمكن فصل الواقع الفلسطينى عن محيطه العربى اللا فالامة كلها تعيش حالة. اللامعقول واللامنطق والعبثية.
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.