إطالة اللسان

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2012-04-24
1734
إطالة اللسان
المحامي عبد الوهاب المجالي

 

يقال في العامية فلان “طويل لسان” بمعنى انه كثير الكلام ، او جريء اكثر من اللازم، وقد يصل الى درجة الوقاحة، وحسب العرّف كُثر الكلام مزعج ولا يرقى لمرتبة الجريمة، لأنه لا يمس كرامة الأفراد وشرفهم بقدر ما ينصب على نقد تصرفاتهم، ومن ينزعج بإمكانه تجنب المكان او الإستماع لطويل اللسان.

لكن التطاول على آرباب الشرائع السماوية والأنبياء يدخل في باب الكفر، ويثير الفتنة، وغير مستحب ولا تقبله الغالبية العظمى من الناس، كونهم اعلى درجة من بني البشر في الدنيا والآخرة، معصومين عن الخطأ، لا ينطقون عن الهوى، لذلك لا احد يعترض على معاقبة من يتطاول عليهم.

اما بقية الخلق، الخطأ عندهم وارد لإن الكمال لله وحده وعرضة للنقد بسبب ذلك، ولكي يُعتد بأي تشريع وضعي لابد وان يكون عاماً، مجردا،ً ملزماً، يحكم سلوك الأفراد الخارجي لايتطرق الى نواياهم التي لا يعلمها إلا الله، لا يُميّز بينهم من حيث الذات، والجنس، او الحالة غنى او فقر او القرب من س او ص وغيره من حيث الحقوق، لأن ذلك ينفي الغاية التي وجد من اجلها اصلاً.

المادة 195 من قانون العقوبات كانت ولا زالت محل جدل، ليس على الصعيد الداخلي بل والخارجي أيضاً، وإحالة الناس للمحاكم العسكرية بموجبها لمجرد الهتاف بأن “شعب الأردن لا يهان” او “الإصلاح او الإسقاط” كانت محل نقد من منظمات حقوق الإنسان على إعتبار انها تحد من حرية التعبير عن الرأي، ولعدم وضوح التهمة ومُحدداتها، والملك لايقبل الإهانة للأردنيين، ولا ديمومة لأي كيان مع الفساد.

المادة نصت على ما يلي “يعاقب بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات كل من كل من ثبتت جرأته بإطالة اللسان على جلالة الملك”، وذهبت الفقرة 2 من نفس المادة الى ابعد من ذلك عندما شملت الملكة وولي العهد والأوصياء على العرش وأعضاء هيئة النيابة، والأغرب ما ورد في الفقرة 1/د إذ أقحم جرم الإفتراء ضمن مفهوم إطالة اللسان، والنص بمجمله ورد بهذا الشكل من باب المغالاة ليتسع لأي فعل ليس إلا.

وفي الحقيقة نص المادة 195 منسوخ عن المادة 273 والتي عاقبت كل من “ثبتت جرأته على إطالة اللسان علناً على أرباب الشرائع من الأنبياء يحبس من سنة الى ثلاث سنوات”، المشرع إشترط العلنية لمعاقبة من يطيل اللسان على ارباب الشرائع والأنبياء، في حين لم يشترط ذلك بالنسبة لمن يطيل اللسان على الملك ومن في معيته، وورد النص مفصلاً بطريقة غير معهودة، وغير محببة، والغاية من ذلك معروفة.

المادة 195 وردت ضمن الباب الثالث “في الجرائم الواقعة على الإدارة العامة” في الفصل الثاني “في الجرائم الواقعة على السلطة العامة” ضمن البند 3 تحت عنوان “في الذم والقدح والتحقير” ولكن بمسمى آخر لا يدخل ضمن التعريفات التي إقتضتها المادة، في حين جاءت المادة 273 في الفصل الأول من البالب السادس في الجرائم التي “تمس الدين والتعدي على حرمة الأموات” وبنفس الصيغة.

 

وما يلاحظ أيضاً التفاوت في العقوبة على نفس الفعل تبعاً لصفة من يقع عليه، في الوقت الذي نصت المادة 6/ 1 من الدستور على ان “الاردنيون امام القانون سواء لا تمييز بينهم في الحقوق والواجبات …الخ” ويرتفع الحد الآدنى للعقوبة وسقفها حسب مكانة الشخص وصفته، وتتراوح مابين الغرامة خمسين دينار الى الحبس ثلاث سنوات، الملك والملكة وولي العهد والأوصياء على العرش وأعضاء النيابة بمصاف ارباب الشرائع والأنبياء وهذا ما يثير حفيظة كثير من الناس، والموظفين العامين افردت المادة 191 لمن يتعرض لهم عقوبات خاصة، اما المواطنيين العاديين فلهم الله!

 

ومن ناحية ثانية لم يعرّف المشرع المقصود بالجرأة، ولم يحدد معنى إطالة اللسان وتركه مفتوح وقد يدخل من ضمنها النقد البناء، على عكس ما فعل عندما أتى على تعريف الذم والقدح والتحقير في المواد 188 و 190 وحدد معناها بدقة، ووضعت المادة 198 شروط لا يؤاخذ الشخص إذا كان القدح او الذم صحيحاً ويعود على المنفعة العامة.

 

إحالة المدنيين للمحاكم العسكرية بموجب تلك المادة، تفتقر للسند القانوني، إذ انها ليست من الجرائم المحددة في المادة 101/2 على سبيل الحصر، لابل فيه مخالفة صريحة للدستور والذي لم يجيز محاكمة أي شخص مدني في قضية جزائية امام محكمة لا يكون جميع قضاتها مدنيين، وإلإستثناء حسب نص المادة جرائم الخيانة والتجسس والإرهاب والمخدرات وتزييف العملة.

إن معظم الدساتير العربية ومنها الأردني والقوانيين الناظمة لحياة الناس لم تساوي بين المواطنيين، ولا تعتبرهم على درجة واحدة، والقضاء والنيابة العامة مغيبين تماماً، إذ لا يستطيعا ان يحركا ساكن، وينظرا لما يقدم إليهما، يُحركوا ولا يتحركوا.

لقد ظهر في كثير من الحالات التدخل في عمل القضاء بشكل سافر، ووصل الأمر ان تقوم الحكومة بسحب ملف قضية منظورة امام إجدى المحاكم وإيداعها الى محكمة خاصة خارج ساعات الدوام الرسمي، لعدم رضاها عن قرار المحكمة إخلاء سبيل موقوفين على ذمة قضية وآعادت توقيفهم!

الواقع ان السلطة التنفيذية تلقي القبض، وتحقق، وتسند التهم، وتحيل القضايا الى النيابة العامة، وبإمكانها الإمتناع عن ذلك، وأحياناً أخرى تغض الطرف عن أشخاص خرقوا القانون بتهم أخطر لا بل وتبذل قصارى جهدها لحمايتهم والأمثلة كثيرة، والنيابة العامة والقضاء متفرج!

ما يلفت الإنتباه ما نقلته “بترا” انه تم الإفراج عن الموقوفين على خلفية أحداث الطفيلة بموجب توجيهات ملكية، حيث تم الإيعاز للحكومة باتخاذ الإجراءات اللازمة للإفراج عن الموقوفين، ولا نعرف ما هو رأي القاضي القابع على رأس الحكومة فيما إذا إمتثل للإيعاز، وماهي الإجراءات التي إتخذها للإفراج عن المعتقلين، وهل أوعز للمحكمة بالإفراج عن الموقوفين، وإذا كان الأمر كذلك ماذا نسميه؟!

إن كان ذلك دقيقاً ففيه تطاول وتجاهل واضح على الدستور ونصوصه الذي كفل إستقلال السلطة القضائية، وحضر التدخل في شؤون المحاكم والقضاة، وهو ما نصت عليه المادة 27 من الدستور على ان ”السلطة القضائية مستقلة تتولاها المحاكم على اختلاف انواعها ودرجاتها وتصدر جميع الاحكام وفق القانون باسم الملك، والمادة 97 نصت على ان ”القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون”، والمادة 101/1 نصت على ان المحاكم مفتوحة للجميع ومصونة من التدخل في شؤونها.

الأصل ان يتم الإفراج عن الموقوفين وفق القانون على علاته، وان يكون القرار مستقلاً من المحكمة دون إيعاز، فإما ان تمنع النيابة العامة محاكمتهم إبتداءً لعدم قيام الدليل او لكون الفعل لايشكل جرماً، وإما ان يخلى سبيلهم بالكفالة وهذا لايعني البراءة او الإدانة ومن صلاحيات المحكمة، وإما ان يدينهم او يبرؤهم القضاء، اما التصرف خارج هذا الإطار فعليه علامات إستفهام!

 

وعود على بدء فالثابت ان الدستور لا يعطي أي جهة الحق التدخل في عمل المحاكم والقضاة، ومنح الملك حق العفو الخاص ولكن بعد الإدانة وإكتساب الحكم الدرجة القطعية، وأجاز للملك إصدار عفو خاص وذلك وفقاً لنص المادة 38 من الدستور “للملك حق العفو الخاص وتخفيض العقوبة، واما العفو العام فيقرر بقانون خاص”.

نحن لسنا ضد الإفراج عن المعتقلين، ولكن يجب ان يتم وفقاً لأحكام القانون، وحتى المُفرج عنهم لم يقتنعوا بالإحالة والإفراج، بدليل انهم عادوا وهتفوا بنفس العبارات عند بوابة السجن بعد الإفراج عنهم، ولماذا لم يتم القبض عليهم؟!

 

ومن المفارقة ان يأتي مثل هذا القرار بعد ان تحرك وفد من وجهاء الطفيلة الى الديوان الملكي كما فعلت عشائر عباد وتكررت الحالة أكثر من مرة، مما جعل القضاء بمثابة ألعوبة، وهذا ما لايليق به.

لابد من إجراء إصلاحات جذرية، وفي مقدمتها الدستور والقوانيين، ولكي تفرض إحترامها يجب ان تساوي بين الناس بشكل مطلق، بدون إستثناءات مهما علا شأنه او إنخفضت مرتبته الإجتماعية او الوظيفية، ومكانة الملك في نفوس المواطنيين لا يُقرّها قانون، وأرفع من ان يدخل في خصومة مع أفراد شعبه.

 

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :

خالد منصور24-04-2012

شرح مفصل جميل.
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.