أمل وخوف على الإعلام في زمن الثورات العربية

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2012-05-04
1467
أمل وخوف على الإعلام في زمن الثورات العربية
رنا الصباغ

  طغت أجواء الصحوة العربية من تونس ومصر والردة عليها من البحرين إلى اليمن على أجواء المؤتمر السنوي الرابع للصحافيين الاستقصائيين العرب ممن يواجهون عقبات سياسية, قانونية, مهنية وتابوهات مجتمعية ودينية في سعيهم لممارسة الرقابة والمساءلة وحماية المجتمع وعكس موقف الرأي العام.

وتفاوتت أراء الخبراء والمشاركين في المؤتمر الذي ينهي أعماله اليوم الأحد بين الأمل بفتح كوة في جدار السيطرة والرقابة والخشية على مستقبل الإعلام و من القيادات الجديدة أو واجهاتها من الذين يتحكمون ببلادهم وسط سطوة السلطة ورأس المال على ملكيات وسائل البث والنشر. يفاقم هذا التحدي دخول نشطاء الفيسبوك والتويتر على عالم صناعة الخبر من دون الالتزام بأساسيات مهنة المتاعب التي يفترض ان تقوم نظريا على الدقة, الحياد والاحترافية والتأكد من صدقيتها قبل بثها. 

جاء المشاركون من 12 دولة عربية غالبيتها في طور التحول; تونس, التي عاشت أجواء انتخابات المجلس التأسيسي في تشرين أول, ومصر حيث انتهت الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية على طريق التحول صوب نظام أكثر ديمقراطية بعيدا عن حكم الرجل الواحد. ودول شعوبها ثائرة مثل سورية واليمن, وأخرى تتأرجح على حافة الثورات مثل الجزائر. ودول استبقت التغيير قبل أن تدهمها الثورة مثل المغرب والأردن من خلال تعديلات دستورية, وأخرى تعيش أجواء انتقالية صعبة ومستقبلا غامض المعالم, مثل العراق الذي ينتظر انسحابا أمريكيا, ولبنان الذي يترقب المجهول من خلف الحدود السورية, وليبيا التي تستعد لبدء مرحلة التغيير بعد الإطاحة بالقذافي.

الظرف السياسي لكل دولة يختلف عن الأخرى. لكن السؤال المليوني المهيمن على عقول الإعلاميين يبقى: كيف يشق الاعلام العربي الذي قادته الصحف ومحطات التلفزة والاذاعات الموجهة التابعة للحكومة أو للحزب الحاكم برزخ التغيير السياسي, ذاك الذي بدأ طواعية قبل وصول رياح الثورات أو الذي فرض بقوة الثوار?

كيف سيتعامل قطاع الإعلام مع هذا التحول بعد أن تعودت غالبية كوادره على الرقابة الذاتية - بدءا برؤساء تحرير مرعوبين وانتهاء بجيش الصحافيين, الذين تأقلموا مع ظروفهم الواقعية لعقود وباتوا جزءا من أدوات الترويج لحكومات غير ديمقراطية وساعدوا على جلب ويلات حكم الفرد? هل سيصبح الإعلام محركا للتغيير ويساعد على مأسسة نظام عربي جديد قائم على أسس العدالة, الديمقراطية والحاكمية الرشيدة? هل يدعم الاعلام بناء هوية جامعة ويساعد على توعية المواطنين أم يستغفلهم ويكرس التناحر العرقي والطائفي? هل سيتحول إلى سلطة رابعة مستقلة ويستعيد ثقته بنفسه كما يعيد ثقة الشارع به? ماذا عن التغطية الاعلامية للاحتجاجات المستمرة في سورية واليمن بين من يقول أن هنالك فبركة وقصا لصور مواجهات دموية غير موجودة يقف وراءها "مخربون" وبين من ينبه إلى ان ما نشاهده من صور مرعبة ما هو إلا رأس جبل جليدي? وما دور صحافة الاستقصاء في كشف أخطاء وخطايا الماضي, قراءة الحاضر والتنبيه إلى ما سيقع في المستقبل? وهل سيتوقف دور الاعلاميين على نبش أخبار النهب وسرقة الاموال العامة التي طغت على العقود الماضية أم سيتقصّوا تجاوزات فساد يمارسها من يجلسون اليوم على مقاعد السلطة?

غالبية المشاركين, بمن فيهم يسري فوده - أحد رواد صحافة الاستقصاء المتلفزه في العالم العربي ومقدم برنامج "اخر كلام" الحواري على قناة "اون.تي.في" المصرية الأوسع مشاهدة - يرون أن الثورات العربية خلقت تحديات ووفرت فرصا امام الصحافة العربية.

فوده يرى أن الربيع العربي فرض ثمان تحديات كما ولد ثمان فرص أمام الإعلام ورموزه التي كانت نائمة في حضن السلطة في غالبية الدول. التحديات تتمثل بالمخاطر الامنية, زيادة حساسية الاطراف المعنية, تحديات نفسية, ارتفاع مستوى المنافسة والرومانسية الثورية. من بين الخصال المهمة أن يكون الصحفي "مهنيا ووطنيا", كما يقول فوده لافتا إلى أنه أزال توصيف "وطني لاحقا لأنه وجد ان مجرد ان يكون الاعلامي مهنيا فهو وطني بالضرورة".

أما الفرص فمنها انهيار الحاجز النفساني (على غرار ما يحدث في سورية مثلا), غزارة ظهور الوثائق والمصادر الاولية, انقسام الاطراف المتناحرة, جوع الجماهير الى المعلومة بعد رفع التسلط عن الكلمة الحرة وانهيار نموذج النجم التقليدي السياسي والاعلامي. 

والأهم من ذلك عطش الناس إلى المعلومة وارتفاع أهمية الصحافي كناقل للمعلومة بعد أن كان شغفهم باهتا بسبب تلون الإعلام بالصبغة الرسمية.

الأكيد الآن أن "زمن أول حوّل". ولا يمكن من الآن فصاعدا الحديث عن مسار ديمقراطي من دون إعلام حر ونزيه ومناخ سياسي داعم. فالوطن العربي يتجه لمزيد من الحريات بسبب الثورات. 

وتبقى الصحافة الاستقصائية المحترفة - التي كانت شبه غائبة عن غرف الأخبار العربية - مدخلا أكيدا لتطوير المنتج الاعلامي ورفع مصداقية الوسيلة و تأثيرها على تشكيل الرأي العام واستقطاب المزيد من المتابعين, ما يرفع من مواردها الإعلانية. فالمتلقي يبحث دائما عما وراء الخبر من خلال ريبورتاجات أكثر عمقا, خصوصا مع بدء اندثار الصحف اليومية المعتمدة على نقل الخبر, الذي يصبح "سلعة بايتة" في اليوم التالي مع تدفق الإعلام المجتمعي والفضائيات. 

بالتزامن, لا بد للإعلاميين من تشكيل تحالفات ضغط مع نشطاء المجتمع المدني, من محامين, قضاة ومسؤولين يرغبون بصدق في تطوير اعلام اكثر مهنية, لإزاحة القوانين التي تكمم الافواه والعمل على استصدار قوانين تنص صراحة على حق حصول المواطنين, بمن فيهم الصحافيون, على المعلومات في العالم العربي تحت طائلة معاقبة حاجب المعلومات المتاحة. فالأردن وتونس هما الدولتان الوحيدتان اللتان سنتا هذه القوانين - التي شكّلت سببا مباشرا في إحداث ثورة الصحافة الاستقصائية في الغرب في منتصف ستينيات القرن الماضي. 

وتبقى الصحافة الاستقصائية مدخلا رئيسيا لكشف تشابك المصالح بين السلطة والشخصيات العامة والخاصة التي تشرف على القطاع الإعلامي في غالبية الدول العربية قبل وبعد مرحلة التحول صوب الديمقراطية. وتكمن الخشية في استبدال عصر الهيمنة الرسمية على قطاع الإعلام الذي يظل أهم عناصر الدعاية والتكوين السياسي والثقافي للمواطن, بالعلاقات الحميمة القائمة بين السلطة والنخب السياسية والاقتصادية القديمة والجديدة قيد التشكيل والتي باتت تهيمن على هذا القطاع الحيوي على أسس استثمارية وتجارية بحت. فآخر ما نريد رؤيته هو خروج السلطة من الباب لتدخل من الشباك بالتواطؤ مع القطاع الخاص. 

صحافة الاستقصاء قائمة على توثيق المعلومات بأسلوب منهجي موضوعي, يستند إلى فرضية قابلة للنفي أو التأكيد, وذلك بهدف كشف الأخطاء والتجاوزات المتوارية وتصحيح الانحرافات في المجتمع من أجل المنفعة العامة بدلا من سلوك الطريق الاسهل وهو الاعتماد على الصورة التي يريد المتنفذ ان يصدقها. فالنبش العمودي للحقيقة بدلا من الاكتفاء بالمرور على ما هو ظاهر على السطح يحول الاعلامي الى شاهد مقنع وموثوق وضمير يحمي الرأي العام من خلال تقديمه لوقائع قد تشجع السلطات والجهات المتسبّبة, سواء عن قصد أو من دون قصد, على إصلاح الخلل.0

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.