الجبهة الداخلية

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2012-05-04
1215
الجبهة الداخلية
فايز الطراونة

  لا نسمع بالخيار الاردني الا في بعض الدوائر في الولايات المتحدة الامريكية واسرائيل, ومن اشخاص في تلك الدوائر يعتنقون ايديولوجيات متطرفة ويحملون حلم حل القضية الفلسطينية على الطريقة التي تتمناها اسرائيل. فحسب هذه الدوائر فإن حل الدولة الواحدة بين الاسرائيليين والفلسطينيين مرفوض للاسباب الديمغرافية المعروفة; وحل الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من حزيران 1967 مرفوض لاسباب تتعلق بمناطق حيوية في الضفة الغربية (وهي القدس والمستوطنات الرئيسية واحواض المياه). وفي الحالتين فإن حق العودة للاجئين الفلسطينيين مرفوض من حيث المبدأ.

لا يبقى في مخيلة المنظرين الحالمين الا الخيار الاردني الذي يعفي اسرائيل من الاشكالية الديمغرافية, ويعفيها من الدولة الفلسطينية المستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة, ومن ازالة المستوطنات, وتسليم مصادر المياه. فالخيار الاردني, بالنسبة لهم, يقع داخل الجدار العازل وينتهي باتحاد بين الاردن و»فلسطين« فتنتقل تبعيات الديمغرافيا (وحق العودة) الى دولة الاتحاد الكونفدرالي او الفدرالي حيث الاستيعاب الجغرافي يسمح بذلك.

ولسنا في الاردن ممن يرتعدون أمام احلام باحث في مركز في امريكا او طامع برئاسة الحكومة الاسرائيلية. لا نرتعد لاننا نعلم اننا لسنا كيانا على هامش الاحداث يتقرر مصيره بشطحات فكرية هنا وهناك. الا اننا, في الوقت نفسه. نبقي الطرح المتعلق بنا حيا في عقولنا في ظل فوضى الاقليم الذي نعيش فيه, وفي ظل المأزق الامريكي المتجذر والمتراكم في العراق وافغانستان والملف النووي الايراني الذي تحول الى صراع امريكي - ايراني القى بظلاله على المشهدين الفلسطيني - بانقسامه السلطوي والحماسي - واللبناني - بانقسامه الموالي والمعارض, وفي ظل ما تؤول اليه المفاوضات غير المباشرة بين سورية واسرائيل, وفي ظل الاشكالية الاقتصادية التاريخية لاسعار النفط.

جميعنا يعي هذه التحديات التي عشنا مثيلاتها, وأحيانا أكثر, في مسيرة نضالنا ونهضتنا, وعند اكثر من منعطف تاريخي وصلت قناعات البعض منا من المتشككين والخائفين الى احتمالية زوال الكيان الاردني, ثم ينهض هذا الكيان اكثر قوة من ذي قبل. واكثر من يعي هذه التحديات والسرد التاريخي للقصة الاردنية والواقع الحالي لحالة الوطن واستشراف المستقبل المبني على حقائق حاضرة هو جلالة الملك عبدالله الثاني. وقائد الوطن يؤكد مع الاردنيين صلابة الموقف الاردني وعزمه على المضي الى الامام, ويطمئن الخائفين من ابنائنا ان لا خوف على مستقبل الاردن, وانه عصي على ما يدبره المنظرون القابعون في الدوائر السالفة الذكر. 

هناك الخائفون الذين يسمعون للمنظرين اصحاب الاجندات المشبوهة, وهناك المنظرون الذين يستهدفون الخائفين ويسعون لتوسيع دائرتهم لتحقيق اهدافهم. وحديث القائد للخائفين طمأنة للنفوس وتضييق لدائرتهم لان القائد والاردنيين يعلمون ان الوطن مُحصّن من الداخل بحكمة الهاشميين ورسالتهم, وقوة الشعب والقوات المسلحة وانتمائهم للارض وولائهم للعرش.

مرة اخرى لا يعنينا العصف الدماغي لاحد ولكن تعنينا المواقف الرسمية للدول, خاصة الدول المؤثرة كامريكا واسرائيل. وهل يمكن ان يتحول هذا العصف الدماغي, الذي هو من باب الترف الفكري او احلام يقظة تراود البعض, الى مواقف رسمية لتلك الدول. نعم يمكن ذلك في حالتين:

أما الحالة الاولى فهي اختراق المنظرين لصفوفنا فتزداد رقعة الخائفين المصدقين لطرح التنظير البائس, فتهتز النفوس وهذا والله اسوأ انواع الهزائم.. الهزيمة من الداخل. وعن هذه الحالة اردد بملء الفم الاردني الواثق, ومعي الملايين الاردنية, قول عبدالله, الملك الاردني العربي المسلم الحر, وقول الاباء والاجداد, بأننا محصنون من الداخل باردنيتنا الباقية مدى الدهر بإذن الله, ولاننا, وان كنا دعاة سلام ووحدة, لكننا نفتح ابواب الجحيم ذودا عن كياننا الاردني الخالد والاغلى والاعز.

وأما الحالة الثانية فهي عندما تبدأ هذه الدول سماع اصوات داخلية تدعو الى مثل هذا الخيار كحالة عاطفية رومانسية تولدها رغبة في اعادة التلاحم للتوأم, وكخلاص وحيد للاحتلال الاسرائيلي للارض الفلسطينية حسب واقع حال التعنت الاسرائيلي. وعن هذه الحالة احذر من الانزلاق العاطفي لطرح هو اسرائيلي (تبناه موشيه دايان وارائيل شارون ومن بعدهم شمعون بيريز ) وهو حل حالة على حساب حالة. اقول ان على الجميع ان يرفضوا هذا الطرح وهو في مهد العصف الدماغي قبل ان يتحول الى مواقف دول بادعاءات رغبات داخلية اردنية.

لا الاردنيون يريدون الخيار الاردني لانه خطر وتعد على السيادة الفلسطينية ويؤدي الى التعدي على السيادة الاردنية, ولا الفلسطينيون يريدونه لانهم يناضلون من اجل دولتهم المستقلة. ولا الاردنيون والفلسطينيون مستعدون لقبول طرح تتمناه اسرائيل كشرط مسبق للتفاوض. الاردن هو الاردن وفلسطين هي فلسطين. وان تبقى مواضيع عالقة مشتركة فننسقها معا بمفهوم السيادة الاردنية القائمة والسيادة الفلسطينية الآتية من دون خلط للاوراق ومن دون حل قضية على حساب قضية.

ونقول كأردنيين للخائفين اغلقوا آذانكم وتذكروا ان الاردن هو الحلقة الاقوى والاعند, وللمنظرين لن تخترقوا الجبهة الداخلية ولا تظنوا ان الاردن معادلة اقليمية سهلة, وللعاطفيين افيقوا الى واقع الحال ولا تتحدثوا بالقلب ولكن تحدثوا بالعقل. ومقتنع انا بأن المنظرين لن يخترقوا جبهتنا الداخلية لانها محصنة سياسيا واجتماعيا وامنيا وعليه فإن الخائفين سيعودون عن خوفهم لانهم يثقون بالملك والوطن. وأما العاطفيون فسيدركون بأنه ما هكذا تورد الوحدة وانها لا تقام على اسس من الانفعال والرومانسية.

وبالرغم من هذه القناعة علينا ان نتنبه الى ان التنظير النابع من اجندات خاصة تتحرك بحركة ديناميكية مع تطور الاحداث والمصالح, وان دوائر التنظير, ومن يروج لها, ستستمر في محاولة اختراق الجبهة الداخلية من بوابات متعددة غير بوابة الخيار الاردني. ولعل اهم بوابة هي بوابة التشكيك بسلامة المسيرة نفسها. قصص وحكايات ترهق حياتنا منذ فترة منها ما هو نسج خيال, ومنها ما هو مبالغ فيه, ومنها ما هو بحاجة الى توضيح. علينا ان نديم التواصل كأسرة واحدة لنعرف الحقيقة واضعين نصب اعيننا دائما اهمية تحصين الجبهة الداخلية حتى لا يتحول التنظير الى زعزعة وتشكيك داخلي والى مواقف دول ترى فينا حلقة ضعيفة.

وأختم القول بنظرة سريعة الى ملخص الوطن الاردني:

- ملك احببناه كما احببنا والده واجداده وبايعناه على الولاء فأعزنا وسيعزنا لانه الانقى.

- ودستور اثبت انه عقدنا الدائم وانه الاصح والاجدى بين الدساتير.

- وشعب فطم على الوطنية والقومية ونسج رباطا مقدسا بين افراده وجماعاته.

- وجيش واجهزة امنية صلبة لا تنحني الا لله ولا توالي الا الملك والوطن.

- وتراب اغلى من الشريان والوريد ويطيب الموت عليه فدوى له.

ومن له مثل هذا الوطن هل يخاف او يتشكك, وهل يستطيع اي كان ان يخترق حتى الطفل الرضيع منه? جوابي وجوابكم ايها الاردنيون الاحرار لا والف لا..

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.