حين انتصرت «المعدة الخاوية» على المخرز

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2012-05-16
1309
حين انتصرت «المعدة الخاوية» على المخرز
عريب الرنتاوي

 هي واحدة من أيام فلسطين، حين انتصر الأسرى والأسيرات في “معركة الأمعاء الخاوية” على جلاوزة الاحتلال وعنصرييه وسجّانيه...وفرضوا على الطبقة الأمنية والسياسية الإسرائيلية المتغطرسة، شروطهم كاملة (أو تكاد)...فتحوا باب الزيارات للأهل من القطاع المحاصر إلى أبنائهم وبناتهم خلف قضبان السجون...ووضعوا حداً فورياً للعزل الانفرادي، وأوقفوا العمل بالتمديد المفتوح وغير المشروط للاعتقال الإداري، ونهضوا بأوضاع اعتقالهم داخل السجون، بالضد من ”قانون شاليط” والممارسات والتعليمات العنصرية التي منحها المستوى الأمني لضباط السجون والمعتقلات، نازية الطراز...لقد كان الثمن باهظاً نظير انتزاع حقهم باحتضان أطفالهم ومواصلة تعليمهم.

هو يوم عظيم من أيام الحركة الوطنية الفلسطينية الأسيرة، التي ظلت على مدى السنوات والعقود، طليعة مقاتلة ومتقدمة، في صفوف الكفاح العادل والمشروع لشعب فلسطين على طريق الحرية والاستقلال...منها تخرّج قادة عظام، ومن خلف القضبان وأقبية الزنازين، كانت تدار معارك المواجهة والانتفاضة والمقاومة، بعد أن نجح مناضلو شعب فلسطين بتحويل سجونهم إلى مدارس وجامعات ومراكز تدريب وتأهيل، بالضد من إرادة الاحتلال والقهر، وبرغم أنف السجّان والمُستعمر.

أمس، أنهى المناضلون والمناضلات، الإضراب الكبير الخامس عشر لهم خلال العقود الأربعة الأخيرة... بعد خمسين يوماً من الإضراب المتواصل للمعتلقين الإداريين....وأربعة أسابيع من الأضراب العام المستمر لألوف الأسرى من مختلف الفئات...وبعد أن سجّل الأسيران بلال ذياب وثائر الحلاحلة رقماً قياسياً عالمياً، غير مسبوق، بالإضراب عن الطعام لمدة 77 يوما، وهي أعلى مدة زمنية يمكن للإنسان أن يمتنع فيها عن تناول الطعام قبل أن يفقد حياته، الرقم العالمي السابق، سجّله الناشط والشاعر الجمهوري الإيرلندي بوب ساندوز حين أضرب عن الطعام 66 يوماً.

لم يساورنا الشك أبداً بانتصار السجناء على سجّانيهم...لقد انتصر خضر عدنان (66 يوماً) وهناء الشلبي (44 يوماً) من قبل، ونالا حريتهما بعد معركة طويلة مع السجّان الإسرائيلي....وقدّما بذلك صورة ملهمة لمئات وألوف الأسرى والأسيرات...الذين أبدوا إصراراً على مواصلة معركة الأمعاء الخاوية، تحت شعار الموت أو النصر...سننتصر.

ما الذي يمكن للسجّان أن يفعله بسجين، قرر أن يمتنع عن الطعام، وفي الأيام الأخيرة، صعّد المقاومة بالامتناع عن تناول السوائل والفيتامينات...ما الذي يمكن للجلاد أن يفعله مع مناضل اختار الموت بكرامة على العيش بذلّة...ما الذي تفعله آلة القمع والقهر الإسرائيلية، بمناضلين قرروا أن يكون قدوة شعبهم وأمثولته، في التضحية والفداء؟

هو ربيع العرب، يورق في عتمة الزنازين الاحتلالية...مبشّرة بربيع فلسطيني وشيك، آت لا ريب فيه، كره من كره وقبل من قبل...هو “الغزال الذي بشّر بزلزال”....وزلزال فلسطين سيعصف بالتخاذل والانقسام والترهل، وسيزلزل الأرض من تحت أقدام الاحتلال والاستيطان...وإن غداً لناظره قريب.

هي الصدفة أن يتزامن نصر الأسرى مع يوم النكبة...لكأنه انتصار على النكبة وتداعياتها، وإيذان بأن شعب فلسطين برغم مرور ثلثي قرن على نكبته، ما زال يختزن من الطاقات الكفاحية والنضالية، ما سيمكنه من الظفر بأهدافه وطموحاته الوطنية المشروعة في العودة إلى وطنه وتقرير مصيره بنفسه وبناء دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.

ولنا في انتصار الأسرى على جلاديهم، درس وعظة...نأمل أن تستلهمهما قيادات الشعب الفلسطيني في الضفة وغزة، أولاً وقبل غيرها...الوحدة طريق النصر، والنصر صبر ساعة، والحقوق لا تُرتجى بل تنتزع، والكفاح بأشكاله المختلفة هو طريق استرداد العزة والكرامة.

لنا في انتفاضة السجون، بارقة أمل في “الانتفاضة الكبرى” التي ستنفض عن شعب فلسطين ركام اليأس والقنوط والامتثال...تنزع عنه ركام سنوات الانقسام العجاف...تعيده إلى صدارة الصفوف العربية، والانتفاضات العربية...فهذا الشعب تمرد على النكبة والتبديد والضياع والمصادرة...وانتصر على الهزيمة في 67...وخرج من كل حروبه كطائر العنقاء الذي يأبى أن يُصاد.

تحية لأسرى فلسطين وأسيراتها، وهم يسطرون صفحة مجد جديدة في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية...تحية لهم وهم يبرهنون بجوعهم وأمعائهم الخاوية، أن الكف الفلسطيني ستنتصر على المخرز الإسرائيلي.

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.