هل يواجه الإسلاميون «خريفا مبكرا»؟!

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2012-05-17
1473
هل يواجه الإسلاميون «خريفا مبكرا»؟!
عريب الرنتاوي

 هذا السؤال، تناولته تحليلات عدة، وجدت طريقها للنشر في الصحافة والمواقع الالكترونية العربية، ولقد كان لافتاً للانتباه أن بعض المحللين وصل الى “أحكام قطعية”، غير قابلة للنقض، في قراءته للمكون الاسلامي في المشهد العربي: الاسلاميون وصلوا طريقاً مسدوداً، بلغوا الذروة ومن بعدها التراجع والانحدار، أثبتوا فشلهم الذريع في ادارة شؤون بلادهم وأخيراً، نجحوا في فض الناس من حولهم.

تستند هذه القراءات، الى مظاهر رافقت صعود الاسلاميين في عدد من أقطار الربيع العربي وغيرها، من هذه المظاهر وفقاً لعددٍ من تلك التحليلات: ميلهم الواضح للأنانية والاستئثار (تجربتهم مع عبدالمنعم أبو الفتوح والهيئة التأسيسية)، افتقارهم لرؤية صلبة وخرائط طرق واضحة للتعامل مع أزمات دولهم ومجتمعاتهم الثقيلة والمتشعبة، تطميناتهم المفرطة للغرب واسرائيل التي لم ينقطع سيلها منذ أن لاحت أول فرصة للوصول الى سدة الحكم والأغلبية، استعدادهم العالي للانقلاب على “معسكر المقاومة والممانعة” الذي طالما تغنّوا بأمجاده ومآثره، بروز الطابع العنفي لبعض الجماعات في غير ساحة: سوريا وليبيا، وانكماش المسافات بين تياراتهم المختلفة، مذهبيتهم الفاقعة التي تحدث عنها أبو العز الحريري بصورة لا تقبل اللبس والتأويل، قبولهم للمرة الثالثة في السنوات العشر الأخيرة فقط، الانضواء تحت رايات “الناتو” ان كان ذلك الطريق ممراً اجبارياً للوصول الى السلطة (تجربة اخوان العراق مع بريمر وعمليته السياسية، انضوائهم تحت راية الناتو في ليبيا والآن، استنجادهم الذي لا ينقطع بالناتو للتدخل في سوريا).

والحقيقة أن كثيرا مما يذهب اليه هؤلاء المحللون، يكتسب درجة عالية من الصحة والوجاهة، لكننا مع ذلك نختلف مع أصحابها في اطلاق الأحكام القطعية والنهائية، لجملة أسباب منها: (1) ان التجربة غضّة تماماً ومن الصعب أن تكون كافية لتكوين قناعات نهائية أو اطلاق أحكام قطعية، ذلك أن تقييم جدوى “بقالة” أو “صاج فلافل” ربما يحتاج لأكثر من بضعة أشهر للوصول الى خلاصات نهائية، (2) ان غياب بدائل أخرى متماسكة من شأنه أن يحد من تداعيات وتأثيرات أخطاء الاسلاميين وخطاياهم، فليس هناك ما يكفي من “المناجل” عند الآخرين لحصد ثمار هذه الأخطاء وتوظيف تلك الخطايا، والأرجح أن بدائل الاسلاميين، ان جاز لنا أن نتحدث عن بدائل، ستكون من رحم “الفلول” والنظم البائدة، بدلالة تجربة عمرو موسى وأحمد شفيق “المُقلقة” في مصر، (3) ان الحركات السياسية الجماهيرية الكبيرة والنافذة، تتعلم من تجربتها في الحكم بأسرع مما تتعلم من تجربتها في المعارضة، وما يبدو اليوم سلوكاً مضطرباً وتائهاً عند الاسلاميين، قد لا يظل كذلك في قادمات الأيام، والأفق ما زال مُحمّلاً باحتمالات تدارك ما يمكن تداركه.

الاسلاميون، شأنهم شأن مختلف تيارات العمل السياسي والفكري العربي، سيمرون بمراحل صعود وذروة وهبوط، هذا أمر لا جدال فيه، وهو من “سنّة” الحياة وطبيعة الأشياء والظواهر، هم ليسوا اللاعب الوحيد على الساحة، ولن يظلوا اللاعب الرئيس طوال الوقت، هذا عقد الاخوان والاسلاميين كما قلنا وكتبنا، بعضهم سيكمله وقد يتخطاه الى عقد لاحق، ان هو أحسن ادارة شؤون البلاد والعباد، وبعضهم الآخر لن يُتمّه، فالمكتوب يُقرأ من عنوانه، ومكتوب هؤلاء يقول أنهم مأزومون في المعارضة والسلطة على حد سواء، ومثلما أن صناديق الاقتراع هي الاختبار الوحيد الذي نعرف، لقياس كل هذا وذاك وتلك، فان التداول على السلطة هو الوسيلة لاعطاء كل ذي حق حقه، وهذا ما نشترطه على الاسلاميين وغيرهم، ان كنا صادقين فعلاً فيما نقول ونردد من مقولات عن الحرية والديمقراطية والتناوب والتداول.

ان النقاش في هذا الموضوع مهم للغاية، بصرف النظر عن اتفاق أو اختلاف وجهات النظر، فالنقاش الوطني العام حول هذه العناوين، يشكل بحد ذاته، قوة ضغط على مختلف الأطراف، لتوفير مواجهة أفضل للتحديات التي تنتظرها، فالحركات الاسلامية وهي في السلطة أو على مشارفها، مطالبه بقطع أشواط أوسع وأسرع على طريق تطوير خطابها المدني والديمقراطي وتأصيله، بل وربما استئناف “حركة اصلاح ديني” التي بدأت في مفتتح القرن الفائت، وانقطعت مثلما انقطع التطور الديمقراطي والليبرالي لمجتمعاتنا، والتيارات السياسية والفكرية الأخرى، مطالبة بتطوير خطابها وتعميق حضورها، حتى لا نكون أمام خطر عودة “الفلول” ونجاح النظم البائدة في تجديد ذاتها، أو تمكين الحركات الاسلامية من البقاء في سدة الحكم والأغلبية لمجرد أنه لا يوجد بديلٌ ناجزٌ عنها، تماماً مثلما كان يحصل زمن أنظمة الاستبداد والفساد، أنظمة التمديد والتجديد والتوريث.

على أية حال، أرى أن المستقبل محمّل بشتى الاحتمالات، من بينها نكوص الاسلاميين وتراجعهم، وربما تكون انتخابات الجزائر مؤشراً أولياً على ذلك (لم تؤخذ طعون الاسلاميين بنزاهتها على محمل الجد)، وربما تكون فرص محمد مرسي المتضائلة في الظفر بانتخابات الرئاسة في مصر، مؤشرا ثانيا على احتمال كهذا، لكن من السابق لأوانه الجزم بأن الاسلاميين قد دخلوا “خريفاً مبكراً”، من السابق لأوانه “نعي” حقبة الاسلام السياسي في العالم العربي وهي بالكاد بدأت.

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :

ابن فلسطين19-05-2012

استاذ عريب انت من الاوائل من الذين دافعوا عن حركه حماس الاخونجيه وخير شاهد على حكم الاخوان وتخبطهم ما يجري بغزه من ظلم وسرقه وقهر وتخوين وتكفير ومصالحهم فوق مصلحه فلسطين ارجو من الاخ عريب ان يراجع حساباته ويتعمق بتحليله لواقع حماس بنت الاخوان وليعلم ان الاخوان وحماس ومن تبعهم لو حكموا هنا بالاردن لا سمح الله سوف نرى العجب ونرى ونحس بالظلم وسنصبح كلنا كفار اذا رفضنا ان نكون معهم
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.