“كلام إلي بمشي عليه الترين”

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2012-06-14
1574
“كلام إلي بمشي عليه الترين”
المحامي عبد الوهاب المجالي

 

تقال تلك العبارة مجازاً عندما يريد شخص معرفة الحقيقة، هذا الموروث لم يأتي من فراغ وسكة الحديد لا زالت لغزاً مُحيراً، في الماضي تم غزوها وسرقة قضبانها “الدوامر” لتحمل سقوف المنازل، وفي الأمس القريب كان يُضنّ انها مخزن للكنوز والدفائن، والحفر كان ولا زال فوقها وتحتها وتدمير أساسات الجسور التي تمرّ فوقها وعلى كافة المستويات، ومن المهم الإشارة ان لا فضل لنا بها او عليها، ونخشاها كي لا تحمل لنا الحضارة!

سكة الحديد وملحقاتها أعطت كثير من المناطق في المملكة إسمها وللدلالة على مكان ما يقول الناس على السكة، او قرب السكة، شرق او غرب السكة، او المحطة، ولها قواعد صارمة جداً كصلابة الحديد المصنوعة منه، تتمدد على الأرض بكبرياء، ولا وجود لزوائد او نتوءات على جوانبها، ولا تسمح للقطار بالإنحراف يميناً ويساراً وعليه الإلتزام بمسارها من نقطة الإنطلاق الى نقطة الوصول وبالوقت المحدد، لا تسمح له الإلتاف يميناً او يساراً او التوقف أينما شاء، ولو كان المعنى الحرفي لتلك العبارة صحيح لكان لدينا آلالاف السكك، وأستغنينا عن كثير من وسائل المواصلات، ولما سقط  مشروع  القطار السريع في المهد!

وعود على بدء، هناك كثير من العبارات التي تقال عن الكلام وقد يرتبط بصفة الشخص وموقعه، فهناك “الحكي الفاضي” وملئ الفم، و”العلاك المصدي” ومثل الذهب، والعرّط والواقعي، والمنمق الذي يختار بعناية و”الدب والدفش والفغج”، و”إلي بطلع الحية من جحرها”، والُدُغري بدون لف ولا دوران، والثرثرة، و”النق”، و”اللق”، والنفاق، والكذب، و”الدهلزة”، واللهمده، والذي يطير مع الهوا، ومن القلب، ومن فوق الجوزة، والذي يُصيب كبد الحقيقة يعني دقيق 100%، والتنظير الذي لم يجد طريقه الى أرض الواقع….الخ.

المصطلح دخل كل المجالات عالم السياسة والمال والإجتماع، في الخطاب الرسمي والعادي بين الناس وأحياناً يستعمل للتوكيد، المعنى الحرفي للجملة لا صلة له بالواقع وتقال مجازاً، لأن الكلام لا يمكن ان يحل مكان سكة الحديد ولا يمكن للقطار ان يسير عليه، ولكن درج الناس على إستخدامه وآصبح المغزى منه معروف ومفهوم للعامة والخاصة إلا لمن شاء ان يقول ما لا يفهمه الناس.

جلس آحدهم وآعطى من الكلام الكثير الكثير دون ان يأخذ شيئاً، ولم يترك آمراً “شارد ولا وارد” إلا وتحدث عنه وفيه، إستذكر الماضي وشخص الحاضرّ، وإسقرأ المستقبل، ذهب يساراً ويميناً، شرقاً وغرباً، بعيداً وقريباً، ولم يتزحزح من الكرّسي الذي يجلس عليه.

رسالة صاحبنا ما يلي الوضع عادي، الفساد في أعرق الديموقراطيات، المواطن “مدلع ومدلل” يريد كل شيء مجاناً بدون جهد او مقابل مادي او معنوي ودون ان يقدم شيء، يريد “خبز مخبوز وميه في الكوز”.

لم يقاطع صاحبنا آحد وضن ان الإلتقاء به فرصة نادرة، ولولا ان آجل المناسبة التي جمعتنا محدود جداً وحان وقت المغادرة لسمعنا العجب العجاب، وكالعادة قبل الوداع تكون خاتمة الجلسة بعبارة يقولها واحد من هنا او آخر هناك تعطي دلالة على الأثر الذي تركته تلك المحاضرة، او قد يختلي إثنان للإستغابة بدل المواجهة لأن المجاملة في غير مكانها طبع.

قبل ان نفترق قال له احدهم “حبيبي بدنا الكلام إلي بمشي عليه الترين”، حبيبي هنا لا تأتي للتعبير عن الحب او المودة، وقد يكون القصد منها الإستهزاء، او الإستنكار، او التصغير خاصة إذا ما تم “مطها” قليلاً او كثيراً كون المخاطب غير أنثى، أي نريد ان نسمع كلام عن الإصلاح يرى طريقه الى أرض الواقع…..!

 

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.