إنسانية حشرة.!!

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2009-04-14
1427
إنسانية حشرة.!!
بسام الياسين

 حين عادت الناموسة الصغيرة، الى وكرها بعد اول «غزوة» لجسد انسان، في محاولة أولى لعملية «سحب دم» تقوم بها كانت علامات الدهشة والشفقة تكسو ملامحها الدقيقة، واضطراب واضح يهز خرطومها ، وحين التقطت انفاسها، سألتها والدتها الهرمة بقلق عن سبب حيرتها. فحشرجت بالكلام، وبدأت تسرد تفاصيل مغامرتها وقالت: ما كنت اظن ان حياة البشر بهذا البؤس، ووحشيتهم بلغت من السوء ان يأكلوا قوت بعضهم ، ويحرموا الفقراء من حقوقهم، الربانية والانسانية، ويحرمونهم حقهم في الغذاء ، ولكي ابقى أنا الناموسة على قيد الحياة ، يجب ان اغرس خرطومي في جسد احدهم، واسحب قطرات محدودة من دمة، ليسير الدم في عروقي، وهذه إحدى سنن الحياة، ولكن الانسان يسحب دم اخيه الانسان دونما حاجة اليه، بل ليضعه في رصيد حسابه، ولا خلاف ان الحياة قائمة منذ الازل على الصراع، ودورة الحياة تقتضي الكفاح من اجل البقاء، وما جرى معي في رحلتي الاولى لم يرد مثله في حكايات «كليلة ودمنة» ، فقد حلقتُ في اجواء المنطقة المستهدفة ، وقمت بجولة استكشاف للبحث عن هدف سهل يتناسب وامكانياتي المحدودة، فوجدته في الاحياء الشعبية، فالبيت مهلهل البنيان، مخلع النوافذ، فاستجمعت شجاعتي، ودخلت بسهولة وكانت المفاجأة. كانت الغرفة رطبة مقفرة ، جدرانها متآكلة ، فقيرة الاثاث، هي اقرب ما تكون الى زنازين سجون العالم الثالث، خالية من تقنيات العصر، الا من «لمبة» هزيلة تتدلى من سقف آيل للسقوط، اما النزلاء فكانوا مجموعة من الصغار، يفترشون الارض، متراصين الى بعضهم البعض خشية البرد، وسعيا للدفء، وهم اقرب الى الهياكل منهم الى نضارة الاطفال ، ظننتهم للوهلة الاولى «مومياءات» فرعونية اكتشفها خبير اثري للتو. وجوه صفراء، جلود مشدودة الى العظام، فقمت بالاغارة على طفل مكشوف الجسد هو الأقرب الى النافذة، حتى لا أعود خالية الوفاض ، ولكنني اصطدمت بجلده القاسي، ولم افلح في اختراقه، رغم المحاولات المتكررة، فوقع اختياري على الرضيع الطري، فغرست خرطومي في ذراعه،   ولكنني عبثاً حاولت امتصاص قطرة واحدة، فتركته لانه على ما يبدو مصاب بفقر دم حاد. على الفور غادرت المنطقة الشعبية، الى احدى الضواحي الراقية، وقطعت مفازة شاسعة، حتى وصلت الى فيلا تتلألأ بالانوار، محكمة الاسوار ، ورغم خطورة المغامرة قررت اقتحامها، وتجاوزت كاميرات الرصد، واجهزة الانذار والتعقيم بالمبيدات الحشرية لمواجهة امثالي، الا انني استطعت النفاذ من غرفة الخدم المفتوحة النوافذ، وتسللت الى غرفة نوم فارهة، وقمت بالاغارة على جسد النائم المنتفخ الاوداج، المتهدل الكرش ، وكانت دهشتي كبيرة، لوفرة كمية الدم، وجلده الحريري الناعم، وبسهولة شفطت كمية كبيرة من «اليته» المتورمة، لأنه كان نائما على بطنه، مثل جملة بذيئة ، في سطر أعوج ، ويبدو من تقلصات عضلاته بانه استمتع بخرطومي، ثم عدت ادراجي في رحلة العودة الى غرفة الاطفال الفقراء، وقمت بحقن الدم في جسد الطفل الرضيع الذي اثار شفقتي، وانطلقت الى وكري مرتاحة الضمير.. ومنذ تلك الليلة اتخذت قراراً بتشكيل سرب من الناموس لبناء جسر جوي لنقل الدماء من الاحياء المتخمة بالبطر ، الى البؤر المنكوبة بالفقر لخلق حالة من التوازن البيئي، والعدالة الاجتماعية!!

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :

ابو منصور15-04-2009

ابو محمد تحية ، وشكرا لهذا الوصف الرائع لنضال الناموسه و "انسانيتها" !

لقد ذكرني ما قامت به تلك المخلوقة ،على الفور ، بشخصيتين من التاريخ ، كان يجمعهما الفروسية والشجاعة ،والخروج عن القانون ، وسلب الاغنياء لاطعام الفقراء .

◙ الاول كان من العرب "عروة ابن الورد" امير ال
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.