جرش تاريخ وحضارة ام محطة تنقية وحاويات زبالة؟!

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2012-06-28
4150
جرش تاريخ وحضارة ام محطة تنقية وحاويات زبالة؟!
بسام الياسين

 جرش "كانت" المدينة الاحلى في دفتر الوطن. القصيدة الأجمل بذاكرة التاريخ.استاذة الحب الآسروالعاطفة الجياشة.جرش "كانت" مدينة إستثنائية تستحم بماء الصبح كل صباح،وتمشط شعرها الناعم بمطر نيساني اخضر،وعطرها المفضل ضحكات اطفالها.هذه جرش التاريخ والحضارة، شجرة اللوز الدائمة البياض، قبلة اسراب الحمام العاشق، للهديل على اغصانها، والحب تحت افيائها.

*** جرش آية في الكشف،اسطورة في الهندسة والمعمار.اعمدتها ذات التيجان الملكية ، تنقر غيوم  الماء السابحة في السماء،وشوارعها المبلطة، يسترخي على مقاعدها الحجرية، قمر الشعراء كل مساء،فيما ساحاتها النابضة بالحياة،التي انتصرت على الموت والعزلة،رغم مطارق الرياح ورجفات الزلازل،ظلت عامرة بالناس من كل مكان.اللافت ان أساطيرها،بقيت خبيئة تحت ترابها،و اسرارها لم تزل عصية  على العلم والعلماء في فك طلاسمها.
*** جرش الابعد تاريخاً،الاعمق حضوراً، الاكثر وسامة،الاعذب شاعرية.كانت حاضرة في مسرح ارتيمس ،مسرح الشعر والشعراء، ايامهاجاءت بلقيس من اليمن على هودجها،ودارت بالقهوة العدنية على الحضور،ومن العراق جاء القعقاع بلباس الميدان،ومن الشام صلاح الدين جاء،وخالد بن الوليد يتفقدان اليرموك واكناف بيت المقدس،وعبدالناصر جاء من مصر حاملا حلم الوحدة والتحرير،لكن فلسطين اعتذرت عن الحضور،لانها محاصرة بين البنادق والخيانة.مأساة جرش اليوم، لاشعر ولاشعراء،لاموسيقى ولاغناء،فالمدينة خاوية على عروشها،والغربان تسكن كهوفها،لااحد فيها  لااحد،سوى بعض المغامرين المصابين بحمى البحث عن الذهب والدفائن،لكن حفرياتهم لم تستخرج سوى قطع الفخار،وعملة زائفة تدعى لردائتها "انتيكة" ترفضها حتى المتاحف الزائفة.
*** هذه جرش الاسطورة والحب، المولودة في مشاتل النعناع،المترعرعة في مساكب الياسمين،المزنرة بزنار من التين والزيتون،الهاجعة على ضفاف نهر الذهب الذي اصبح مكرهة صحية،وحاضنة للحشرات الضارة.هذه جرش الحضارة والتاريخ والشعر التي استنبتت اشجار الحور والجوز واللوز والصفصاف والكينا،وكانت الى ماقبل بضع سنوات الابهى والاجمل اكتمالا بين المدن العشرة الرومانية ،الاهم في تاريخ روما،والاحلى بين مدن المملكة كافة
*** الكارثة الكبرى بدأت حينما استبدل القائمون عليها،روائح العطر والياسمين،باكبر محطة تنقية داخل مزارع التين والزيتون، وعلى خاصرة مزارع البرتقال والليمون.محطة تستقبلك روائحها العطرية من مسافة عدة كيلومترات وتطاردك داخل المدينة لتقتحم المنازل والمتاجر وترافق السياح في جولاتهم الاثرية،من بوابة النصر "بوابة هدريان" حتى معبد الشمس.المفارقة المدمرة ان الرومان افتتحوا المدينة، ببوابة النصر،ونحن افتتحناها بمحطة تنقية.الانكى ان المحطة تقع على مرمى خطوة من اشهر المطاعم السياحية،فاي تخطيط ارعن ،واي عقلية متخلفة تزرع محطة قاذورات داخل منطقة سكنية وسياحية وزراعية. السؤال الجارح اين البلدية؟ واين كانت مجالسها؟واين وزارة السياحة؟واين المحافظة؟ واين سلطة المياه ؟واين التلفزيون الاردني؟واين الصحافة الاردنية؟!الاسوأ اين كان الناس واين هم الآن؟ وكيف قبلوا هذا الاعتداء المشين على بلدتهم؟! .
*** ليلاً كان العشاق يهربون من المدن الاردنية،ويطلبون الراحة في جرش الهادئة الحانية.و كان الراحل الملك حسين ياتي باصدقائه الاوروبيين الى اثار جرش من دون مراسم،وبعد انتهاء جولتهم في جرش الآثار، كان يعرج بهم على مدينة جرش  الحديثة الصغيرة الهادئة الهانئة الوادعة.اما اليوم فقد تحولت المدينة الى مزبلة،وحاويات كريهة تطلق سمومها وروائحها وحشراتها،ومحطة تنقية تحرم السكان من الجلوس على شرفات منازلهم او حتى فتح شبابيكهم،لذلك يفضلون الاختناق حراً،على الاختناق بروائح المحطة "النووية".
*** اما المدينة الحديثة،فصارت منطقة منكوبة،الشارع الرئيس كان لوحة متعددة الالوان والحركة والظلال والايحاءات والرموز،مما كان يمثل اغراءً للرسامين العالميين الاجانب،اما اليوم اصبح  سوقا للخضار والقاذورات  واوبرا من الضجيج لكل انواع"المناداة"على الخضرة من الفجل حتى الجرجير ومابينهما،ومسرحا لفرد العضلات،والتلويح بالسكاكين،فيما صارت الارصفة اماكن عرض للصرامي،وملابس البالة،بينما مداخل مساجد الله تحولت بفعل الشبيحة الى مخازن للبندورة والبطاطا، ومواقع لكل ما يغضب وجه الله .
*** جرش استاذة الحب والجمال والشعر،تلك الكانت تستقبل على اجنحتها الناعمة العشاق من اطراف المملكة، والزوار العرب والسياح الاجانب،هي اليوم كسيرة الجناح ذابلة الجفون،ناشفة الشفاة، تثير الحزن والشفقة، وتدعو للرثاء الى درجة البكاء ومثار خزي لامثار اعجاب.كل هذا العفن و المجلس البلدي لايعنيه من امرها شئياً،والرئيس المنتدب يشكو المديونية الثقيلة، وكيفية تامين رواتب الموظفين نهاية كل الشهر،الادهى، ان البسطات تحتل الشوارع من دون ان تقوى او تجرؤ اية سلطة محلية على ازالتها،اما رأس الهرم "المحافظة" فانها تؤثر الصمت ،بينما النواب الاربعة لايعبأون بما يجري،ويمرون بها مرور الكرام اما لتقديم واجب العزاء او نقوط الفرح...ولمن لايصدق ماقلناه، عليه ان يمر بها كي يخرج من جلده،ويلعن الساعة التي تورط فيها بالدخول الى قلب المدينة،ساعتها سيضطر للقسم ثلاثاً والطلاق بالثلاث،ان لايعيد الكرة مرة اخرى..

 

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :

فهد قعدان / ابوظبي30-06-2012

المقال في غاية الروعة و وصف دقيق لواقع مدينة جرش التى انا من اهلها ولدت وترعرت فيها و يؤلمني ما وصلت اليه المدينة.لقد عشت في اوروبا سنوات طويلة كانت دائما في ذاكرتي جبالها و ووديانها و شللاتها و البساتين و الخضراء و الاجمل من ذلك رائحة زهورها لكن اليوم ما اصبحت اليه و بفعل التطور و التحدث على حساب التاريخ و العراقة تحولت مدينتنا الى مكب نفايات.اقسم لو ان هذة المدينة في اوروبا لحولوها الى وجهة سياحة عالمية. سؤ ادارة و تخطيط المدينة هو سبب من انحطاطها. بقترح تحويلها الى شركة اشثمار سياحية لانقاذها قبل ان ياتيها زلزال اخر يغير معالمها نهائيا
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

محمد النطاح25-06-2012

كلام جميل يرقى الى الشعر بل هو الشعر .
لكن هل من مجيب .
اساءات كثيره لهذة المدينه ولا يوجد محاسب
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

محمود شحاده25-06-2012

ان مدخل جرش الجنوبي يحوي افضل المطاعم السياحيه على مستوى الوطن الا ان وجود المحطه وما تصدره من روائح كريهه قد شوه هذ هذا الجمال وكان سسبب في ازعاج اهالي منطقة الجبارات والمناطق المحيطة
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

الفقير25-06-2012

اخي العزيز شكرا على هذا المقال الرائع عن مدينتنا الرائعه والتي ستعود الى سابق عهدها بهمة ابنائا الصادقين وبعد ازالة كل ماشوه هذه الوحه الفنيه الرائعه
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

جرشي ابن جرشي24-06-2012

الاديب العالمي"اندريه جيد"قال :كنت احب بشغف المراعي المخضوضرة المترامية الاطراف في الريف الفرنسي،وخاصة ضواحي منطقة "اوزيس"،تلك المغطاة بالنرجس الابيض الفتان في فصل الربيع،الذي لايفكر احد بقطف زهرة واحدة منه،لذلك يظل جو المنطقة غارقا بالعطر الى مسافات طويلة.اما العلامة ابن خلدون يقول في مقدمته:ان العربي لايتورع عن قطف زهرة جميلة عطرة لاطعامها لبعيره،اما نحن فلسنا فرنسيين نحافظ على البيئة،ولسنا اعرابا نطعم الورد لدوابنا،كما اننا لسنا رومان حتى نبني قوس النصر على مدخل المدينة ،بل تفوقنا على الجميع بان زرعنا محطة تنقية على بوابة جرش،ونثرنا العشرات من حاويات الزبالة في شوارعها ،وحولنا "قلبها" الى "حسبة"قذرة
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

نضال محمد النطاح24-06-2012

ان جرش مشهوره بأشجارها وأزهارها ولكنهم وضعوا محطه التنقيه في منطقه سياحيه لتخريب البيئه وتهريب السياح الحل في ازالتها
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

نضال محمد النطاح24-06-2012

ان جرش مشهوره بأشجارها وأزهارها ولكنهم وضعوا محطه التنقيه في منطقه سياحيه لتخريب البيئه وتهريب السياح الحل في ازالتها
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

مغترب اردني23-06-2012

الواقع انني امضي اجازتي كل عام في بلدي الاردن لانه الاجمل والاكثر امننا وجرش هي المكان المفضل لي ولعائلتي وللاسف شاهدت هذا العام العجب العجاب من الانحدار بالمدينة وتراجعها بالنظافة وزاد الامر سوءاً محطة التنقية التي تبخ روائحها مما تجعل الزائر يتقزز من كل شيء نقول يابلدية يامحافظة ياسياحة ياادارة مهرجان جرش اين انتم والله حرام عليكم مايحدث بهذه المدينة
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

سلمان حوامده16-08-2012

رد على مغترب اردني :
رجع بي مقالك الرائع اخ بسام الى الوراء الى ذللك المكان (التنقيه الان)حيث ذللك الوادي الجميل وينابيع المياه المنتشره على ضفافه واشجار الدفلى والصفصاف اخ بسام نعم كان اهل جرش نائمين ذاك الوقت ولكن كان بالمقابل اناس مرروا اقامة محطة التنقيه خدمة لاغراضهم الشخصيه وبامر دفاع غير ابهين بالمكان او السكان





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.