العدوان والمقاومة .. هذه المرة مختلفة

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2012-06-24
1428
العدوان والمقاومة .. هذه المرة مختلفة
عريب الرنتاوي

 هذه المرة، تبدو المواجهة المحتدمة براً وجواً في قطاع غزة، مختلفة عمّا سبقها من مرات، صحيح أن العدوان هو العدوان، والمقاومة هي المقاومة، لكن الصحيح كذلك أن البيئة السياسية، المحلية والإقليمية، تبدو مختلفة بعض الشيء عمّا سبق لقطاع غزة أن شهده من اشتباكات ومواجهات فلسطينية إسرائيلية.

من وجهة نظر المؤسسة العسكرية والسياسية الإسرائيلية، سواء بسواء، فإن ربيع العرب قد أدخل “عنصراً جديدا” على لعبة الحرب والعدوان التي تمارسها إسرائيل ضد القطاع المحاصر، هناك قناعة تتسلل إلى أدمغة الإسرائيليين، مفادها أن ذراع إسرائيل الطويلة التي ظلت طليقة ضد القطاع وأبنائه، لم تعد كذلك، مصر ما بعد مبارك، ليست كما قبلها، ولا يمكن التنبؤ بردات فعلها على أي عدوان إسرائيلي بربري على حماس فيما “إخوانها” في مصر، يتصدرون المشهد السياسي وينافسون بقوة على مختلف مؤسسات صنع القرار في الدولة العربية الأكبر.

وفي التحليل الإسرائيلي كذلك، فإن حماس تسعى لفرض قواعد جديدة للاشتباك هذه المرة، مطمئنة إلى وجود “داعمٍ كبيرٍ” لها في مصر، حماس دخلت المواجهة رسمياً وعلناً بإطلاقها صواريخ على أهداف عسكرية إسرائيلية، مطمئنة إلى “الهامش الضيق” الذي تستطيع إسرائيل أن تتحرك في إطاره، ومصممة على عدم إخلاء ساحة المواجهة العسكرية (المقاومة المسلحة) إلى “الجهاد الإسلامي” أو فصائل أخرى، وطنية وسلفية، لأنها حصدت في السابق نتائج مخيبة للآمال جراء الاستنكاف عن المشاركة في “رد الفعل”، وهي لا تريد أن تعود لتلك الوضعية مجدداً.

العدوان الإسرائيلي الجديد على قطاع غزة، يهدف من وجهة نظر محللين سياسيين واستراتيجيين إلى اختبار قواعد الاشتباك الجديدة، وفحص النظريات والافتراضات التي تكمن خلفها، فمن جهة أولى تريد مصر اختبار “ردة الفعل المصرية”، حتى الآن، تعيد مصر المنهكة والمنهكمة بمشاغلها الداخلية، لعب “دور الوسيط” السابق، عملت المخابرات المصرية على ترتيب اتفاق هدنة جديد يوم الخميس الفائت، سرعان ما انهار وعادت الغارات لتعيث قتلاً وتخريباً في القطاع، وعادت صواريخ الفصائل لتتساقط على الحزام الاستيطاني المحيط بالقطاع.

ومن جهة ثانية، تريد إسرائيل اختبار “جهوزية” حماس و”رد فعل” كتائب القسام، هذه المرة جاء الرد مغايرا، “القسام” لم تتأخر في الرد، فعلت ذلك وأعلنت مسؤوليتها عن الصواريخ التي أطلقتها، وعندما انهارت هدنة الخميس الفائت، عادت للتلويح مجدداً باستئناف قصف الصواريخ من طراز غراد الأكثر دقة وتطوراً من الصواريخ محلية الصنع.

الجانب الإسرائيلي، درس بدقة نوعية الصواريخ وأهدافها ودقة إصابتها، خصوصاً تلك التي انطلقت على يد مقاتلي “كتائب القسام”، ولاحظ أن الأهداف الإسرائيلية التي ضربتها حماس، كانت عسكرية في الغالب، فضلاً بالطبع عن دقة الإصابة والتوجيه، فهم الإسرائيليون الرسالة، ردنا على العمل العسكري سيكون عسكريا، أما في حال توسع نطاق الأهداف الإسرائيلية لتطال السكان المدنيين، فإن مروحة الأهداف التي ستستهدفها صواريخ القسام، ستتسع لتطال المستوطنات الكبرى خارج الحزام الضيق المحاذي لإسرائيل.

حتى الآن، تبدو اللعبة مضبوطة بين حدين: خرق التهدئة وعدم الانجراف إلى مواجهة شاملة، إسرائيل لا تريد مجابهة شاملة، تضطرها لمقارفة مجازفة غير محسوبة مع حماس والقطاع وأنصارهما في الشوارع العربية وحكومات وبرلمانات ما بعد الربيع، وحماس ليست بوارد استدراج مواجهة شاملة، فيما هي تحاول جاهدة ترتيب أوضاعها الداخلية والتعامل مع ملف المصالحة والانفتاح على العالم بانتظار ما ستأتي به رياح التغيير في مصر وسوريا.

لكن تجربة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي لا تدفع على التفاؤل دائما، بأن تظل المواجهة العسكرية مضبوطة وقابلة للسيطرة والاحتواء، فسقوط صاروخ فلسطيني في منطقة آهلة بالمستوطنين، كفيل بإخراج الحكومة والجيش إلى حرب “غير مقررة سلفاً” وحتى إلى إعلان “حرب غير مرغوب في توقيتها”، كما أن سقوط ضحايا أبرياء في أوساط الفلسطينيين، سيدفع الكثير من الفصائل والأولوية والكتائب إلى الدخول في لعبة سباق مع الوقت لإطلاق اكبر عدد من الصواريخ وتوسيع نطاق الأهداف، وهنا تدخل “الاعتبارات والمنافسات المحلية” كعامل مهم في تقرير ردة أفعال مختلف اللاعبين.

الوضع في غزة خطير وصعب، وقد يخرج عن السيطرة خصوصاً إذا ما شعرت إسرائيل أن الوضع في مصر خرج عن سيطرة اللاعبين الرئيسين، فتتوفر لها فرصة الاستفراد بالقطاع، في ظل انهماك مصر والمصريين في تسوية قضايا الرئاسة والانتقال للديمقراطية وعلاقات القوى بين “العسكر” و”الإخوان” و”الميدان”.. إلى غير ما هنالك من تحديات، تمسك بمصر من عنقها.

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.