مسرحية إسرائيلية «سمجة»

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2009-04-21
1456
مسرحية إسرائيلية «سمجة»
عريب الرنتاوي

ثمة من يسعى في اختزال المسألة إلى مجرد بضع كلمات ، كأن ينطق رئيس الوزراء الإسرائيلي بـ"الجوهرة" ، أو "يبق البحصة" وفقا للتعبير السوري - اللبناني المشترك ، ويقول على سبيل المثال: نقبل بدولة فلسطينية تعيش إلى جانب دولة إسرائيل اليهودية ، حتى تُذلل بعد ذلك جميع "الاستعصاءات" ، وترتسم الابتسامة على وجوه أنصار السلام على ضفتي الصراع الفلسطيني (العربي) - الإسرائيلي.

 وكلما أمعن نتنياهو وتابعه ليبرمان في "التمنّع" والاستنكاف عن النطق بهذه الجملة السحرية ، ارتفع ثمن البضاعة وزادت المضاربة على أسهمها ، وكانت النهاية سعيدة ومبشرة وواعدة ، حين يخرج علينا الرجلان ذات مؤتمر صحفي (الأرجح في واشنطن) للبوح بالكلمة الفصل.
 
في الحقيقة ، نحن نتابع هذه الأيام ، واحدة من "أسمج" المسرحيات الإسرائيلية التي لا تسلي ولا تطرب أحدا ، بل أنها تفتقر للذكاء نصا وموسيقا وتمثيلا وإخراجا ، فنتنياهو صاحب "الأمن أولا" و"السلام الاقتصادي" ، لن يمانع أبدا ، في قيام دولة فلسطينية على "مقاسه" ووفقا لحساباته ومعاييره ، على جزء من الضفة الغربية (يزيد أو يتقلص وفقا لموازين اللحظة وحساباتها) ، مقابل أثمان باهظة يدفعها الفلسطينييون من كيس "حقوق اللاجئين وخط الرابع من حزيران ، والقدس والمياه والسيادة وغيرها".
 
نقول ذلك ، لأننا نعرف أن نتنياهو والليكود وليبرمان وإسرائيل بيتنا ، يريدون التخلص من السكان الفلسطينيين ، أصحاب الأرض الأصليين ، وليس ثمة من وسيلة لفعل ذلك ، إلا بالسماح لهم بإنشاء كيانهم الخاص بهم ، بصرف النظر عن حدود هذا الكيان ومساحته وتوقيت قيامه ، بصرف النظر عن حدود استقلاله ومساحة سيادته ، المهم أن لا تجد إسرائيل نفسها مضطرة لاستيعاب فائض السكان الفلسطينيين.
 
حكومة نتننياهو كالحكومات التي سبقتها ، تريد دولة ناقصة السيادة وعلى جزء من الأرض المحتلة على أن تكون أحياء في القدس عاصمة لها وليس القدس التي نعرف ، فضلا عن حل لمشكلة اللاجئين على أية أسس تستثني العودة أو حتى الاعتراف بها كحق للاجئين ، أما ما يميز هذه الحكومة عن غيرها من حكومات إسرائيل السابقة ، فهو أنها تريد الدولة الفلسطينية على مساحة أضيق من الضفة والقدس ، وبقدر أقل من الحرية والسيادة والاستقلال ، والأهم ليس الآن أو فورا أو في المدى المنظور ، أنهم يريدونها بعد أن تستكمل إسرائيل هضم ما يمكن أن تكون قد ابتلعته من الأرض والحقوق الفلسطينية.
 
لا خيار أمام نتنياهو - ليبرمان ، سوى الاعتراف بالدولة الفلسطينية ، وسيفعلان ذلك ، وربما بأسرع مما يُظن ، والأرجح أنهما سيقدمان "اعترافهما" هذا بوصفه "هدية" لإوباما وإدارته ، مغلفة بالكثير من الشروط والجداول الزمنية الفضفاضة والبعيدة المدى ، وهذا "الاعتراف" لن يكون بالطبع هدية مجانية ، فهذه ليست من شيم الساسة الإسرائيليين ، بل سيطلبون مقابله أثمانا باهظة في ملفات عدة وساحات أخرى ، لعل إيران إهمها.
 
الدولة الفلسطينية بهذا المعنى وبهذه المواصفات والمقاييس الليكودية - الليبرمانية ، لن تكون تجسيدا لحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره ، بل تجسيد للمصلحة الإسرائيلية ولشعار "إسرائيل دولة جميع أبنائها اليهود" ، فضلا بالطبع عن كونها مصلحة قومية أمريكية كما قال - ربما لأول مرة - الموفد الأمريكي للمنطقة جورج ميتشيل.
 
فالدولة الفلسطينية لكي تكون تجسيدا لحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره ، تأتي بعد إزالة الاحتلال ، وحتى خطوط الرابع من حزيران أولا ، وان تكون القدس عاصمة لها ثانيا ، وأن تكون دولة ذات سيادة ممسكة بقرارها ومواردها وفضائها ومعابرها ثالثا ، وأن تسترد حقوق اللاجئين من أبنائها رابعا ، عندها وعندها فقط ، يمكن القول أن السلام قد امتلك أقداما يسير عليها ، وأن إسرائيل قد جنحت لخياره وأبدت الاستعداد لدفع استحقاقاته.
 
ليس المهم أن يقبل نتنياهو قيام دولة فلسطينية ، فهذه بضاعة لم تعد تصنّع للفلسطينيين خصيصا ، بعد أن زاد الطلب الإسرائيلي والدولي عليها ، البضاعة التي ما زال الفلسطينييون يتوقون للحصول عليها هي إنهاء الاحتلال ، فهذا هو مبتدأ الجملة الفلسطينية وخبرها ، وكل ما عدا ذلك ، لعبّ على الألفاظ ومناوراتّ في الوقت الضائع.
 
نتنياهو حدد شروط اعترافه بالدولة الفلسطينية (القبول بيهودية إسرائيل) ولم يخط (والأرجح أنه لن يخطو) خطوة واحدة باتجاه تعريف هذه الدولة ، ومعيار نجاح ميتشيل ورئيسه وإدارته و"دور الوسيط الأمريكي" يتجلى في الانتقال خطوة نوعية حاسمة للأمام بتعريف هذه الدولة ورسم حدودها وذكر عاصمتها والإقرار بحقوق أبنائها المشرّدين ، فهذه مسائل مطروحة للتنفيذ والترجمة ، وليس للتفاوض الممتد لأجيال وآجال قادمة كما يريد نتنياهو ، فالحذر الحذر من بضاعة الرجل الفاسدة.
  
أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.