الهوية الوطنية

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2012-06-28
1471
الهوية الوطنية
المحامي عبد الوهاب المجالي

 

الهوية تعني تميُزّ الشيء عن غيره وتُشكل محتوى ضمير الشعب، مُحتكمة الى مجموعة من القيمّ لتحقيق الطموح المشترك، اما الوطنية فهي التمسك بالوطن والولاء والإنتماء له بالمطلق بمشاعر من الحب والإخلاص والفخر تجاهه، والإستعداد للتضحية من أجله.

لا يمكن إختزال الهوية والمواطنة برقم مجرد من أي معنى الغاية منه الحصول على بطاقة هوية او جواز سفر، وليس كل من حصل على وثيقة يستحق شرف الهوية والمواطنة، إنما يستحقها من يلتصق بالأرض ويستنشق عبق الماضي، وهذا شعور وإحساس داخلي لا يمكن إرغام آحد على إبتلاعه.

هذه المشاعر والإحاسيس من الصعب ان تنتاب وجدان مُكتسب الجنسية وقد لا تعني له شيء، ودوافع التجنس مختلفة بإختلاف الهدف وقد تكون للبحث عن مغنم او لسبب خارج عن الإرادة، لذلك حرِصت الدول الحفاظ على مجتمعات مُتجانسة وتتعامل مع موضوع الجنسية بكثير من التشدد.

قبل وأثناء تأسيس المملكة مضت عقود لم تكن تمتلك فيها آدوات الحكم ناصية آمرها وهُجر اليها جماعات، وأرّغمت على الوحدة مع جهات، والشعب الفلسطيني كان ومازال لا يريد الوصاية عليه من احد، ويعمل على إستقلال هويته الوطنية وتجسيدها على أرض الواقع، هذا الأمر الذي يتم تجاهله.

لم يسبق لدولة ان وهبت جنسيتها بالجملة لمئات الآلاف لا بل بالملايين مهما كانت اوجه التشابه والتقارب، او تخيير شعب بين هويتين بقرار سياسي او إداري، وهو مالم يحدث إبان الوحدة بين مصر وسوريا عام 1958 ولا عند الإنفصال عام 1961 على الرغم مما قيل عنها.

التغني بالهوية القومية لا يمكن ان يكون على حساب طرف والتي لا مكان لها في وقتنا الراهن إلا في الأدبيات، ومعظم دول العالم عملت على صهر الجماعات العرقية والجهوية الوافدة ضمن منضومة إجتماعية واحدة، ولم تمنحها إمتيازات على هذا الأساس.

المواطنة ليست بطاقة هوية او جواز سفر وتملك قطعة أرض وممارسة عمل ما، إنما هي إرتباط وثيق بالأرض إسـماً ومعناً وعنواناً يُعتز بها ولا يتنكر لها من يحملها بدعوى الحفاظ على الهوية الآصلية، ووجود أكثر من مكون مستقل يعني تعدد الأهداف وحتمية التصادم.

النهج الذي سارت عليه المملكة في هذا الإطار لم يكن حصيفاً، لم تحافظ على المكون الأساس ولم تعمل على صهر القادمين فيه، وشرعت آبوابها لمن هب ودب وآمنت الحماية لجهة على حساب أخرى ومكنتها من مفاصل الدولة، ودفعت بالمكون الأساس للخلف لنسمع من يتحدث عن نسب السكان ويجاهر بذلك بوقاحة.

أي قانون يحوي إستثناءات او يمنح إمتيازات وبنصوص فضفاضة تنتفي عنه تلك الصفة، وهو ما ذهب إليه المشرع عند وضع قانون الجنسية رقم 6 لسنة 1954 والذي حوى كثير من الإمتيازات والإستثناءات دون مبرر منطقي او مسوغ قانوني.

القانون كغيره من القوانيين أجاز للملك في المادة 5 منه منح الجنسية لكل مغترب، وكذلك آجازت المادة 13/ 2 لمجلس الوزراء الإستغناء عن شرط الإقامة لمنح شهادة الجنسية شريطة توافر ’’ظروف خصوصية تؤول الى ما يفيد المصلحة العامة’’ لم يتم تحديد ما هيتها وتركها معومة.

وإكتفت المادة 4 بأن يقسم يميين الولاء والإخلاص لجلالة الملك، ولم تطلب منه أي إلتزام تجاه الوطن، وآعطت المادة 14 مجلس الوزراء صلاحية تحديد الوظائف العامة للمجنسين، وفي جميع الحالات الأمر في يد الملك ومجلس الوزراء لمنح الجنسية وسحبها وآعفاهم القانون من التقيد بالشروط المنصوص عليها المادتين 12 و 13 وترك الأمر لتقديرهما.

لكل هذه الأسباب كانت الجنسية وما زالت عرضة للهبة والمنح والعطايا والبيع بدون ضوابط، وتربع علي غندور اللبناني الهارب من حكم قضائي على عرش الملكية ولعب دور بوللي أيام الملك فاروق، وفتح القصر ابوابه لباسم عوض الله ليعيث فساداً، ونُصب محمد صقر على سلطة إقليم العقبة لينعم بخيرات بلد حُرم أهلها منها وغيرهم الكثيرين، ولا نعرف ماهي الظروف الخصوصية الذي منحتهم هذا الإستثناء، والإفادة التي حققتها المصلحة العامة من وجودهم.

من يتخلى عن ثروات الوطن وعناوينه بالبيع او الهبة لا يتورع عن جعل الهوية الوطنية برسم البيع برقم وطني او بدون وبلا وطنية، بصورة دائمة او مؤقتة، او لزيارة إسرائيل، ولا نعرف ماهي المنفعة التي ستعود علينا، حتى السيارات القادمة من إسرائيل والطلاب الأجانب مُنحت لوحة ارقام أردنية وهو ما لم تقم به إسرائيل ولا دول الخليج!

الأخطر من كل هذا ان الأعمى رأى، والأصم سمع، والأبكم نطق بالمرارة التي يعيشها المواطن، وهناك عملية فرز على المكشوف، ونسمع عواء هنا ونباح هناك، مع وضد، وإذا كانت الأمور عال العال لماذا التحذير من المساس بالوحدة الوطنية والتي آضحى شأنها شأن القومية العربية ’’كل من إيده إله’’؟!

 

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :

ابو بادي29-06-2012

كلام سليم وجميل ابو باجس ..بوركت وبورك قلمك
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

ابو بادي29-06-2012

كلام سليم وجميل ابو باجس ..بوركت وبورك قلمك
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

نها27-06-2012

الاخ لا تنسي بلدك الاصلي - الخليل
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.