جرش ايام زمان.. جرش الآن

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2009-04-21
3529
جرش ايام زمان.. جرش الآن
بسام الياسين

جرش المدينة الاكثر وسامة، والاشد حضورا ، والقصيدة الاحلى في دفتر الوطن، والاغنية التي ما زالت عالقة بذاكرة التاريخ بشفافيتها الآسرة، وشبابها المتجدد هي ذاتها التي لم تكترث لمطارق الريح العاتية، ورجفة الزلازل المدمرة وظلت صامدة بثقة وعناد وحملت لقب احدى اهم المدن العشر للامبراطورية الرومانية، يشطر المدينة قديمها وحديثها نهر الذهب، وكانت تسمى مدينة القادة الكسالى، حيث يستوطنها الضباط الهاربون من مشكلات روما، للهدوء والترف. المدينة الساحرة ما زالت تحتفظ بكل اسرارها وغموضها، ولا بد للزائر من المرور عبر قوس النصر الذي شُيّد احتفالا بقدوم الامبراطور هديريان وهو ما يعرف بـ «باب عمان». وبعد مسيرة دقائق من القوس يصل الزائر الى «الفورم» الندوة وهي ساحة بيضاوية تحفها الاعمدة ذات التيجان تزينها ورقة نبتة «الخرفيش» المنتشرة في منطقة جرش. الاعمدة التي تحيط بالفوروم ما زالت قائمة ولم يسقط منها الا واحد اعيد بناؤه، والسبب ان الاعمدة قائمة على عمق «٣٢» قدما، وتحت الفوروم ارضية مفروشة بالحجارة الصغيرة لامتصاص الهزات الارضية. على يسار الفوروم يقع المسرح الجنوبي، وهو لوحة ابداعية، وتحفة هندسية يتسع لـ «٤» الاف مشاهد، وهذا يدل على ان عدد سكان المدينة كان آنذاك حوالي «٢٢» الف نسمة، والواقف على المسرح يستطيع ان يشاهد الجمهور بحركة عينية دون حاجة لتحريك رأسه. وبالمقابل يستطيع الجمهور قراءة شفتي الممثل عن بعد دون حاجة لمكبرات الصوت والجهة الغربية منه مرقمة، لانها مباشرة تصب على المسرح فيما العلوية البعيدة مخصصة للعامة. الاكثر ادهاشا ان هناك نقطة «حجر» بين المسرح والمدرج معروفة للادلاء وبعض ابناء جرش اذا القيت فوقها قطعة نقدية تسمع الصدى في كل اركان المسرح عن طريق الذبذبات الصوتية وهي اعجوبة هندسية . شارع الاعمدة هو الاخر اعجوبة تحف به الاعمدة على طول «٨٠٠»م وعلى يساره هناك مجموعة من الدكاكين وقد شيدت هذه الدكاكين في زوايا الجنوب الغربي/والشمال الغربي حتى لا تطفئ الريح القناديل المشتعلة ليلا، اما الشارع فجرى تبليطه بطريقة محدودبة تتساوق مع حركة الارض لتصريف الامطار خلال ثوان من خلال فتحات الى المجاري العامة وعلى شارع الاعمدة تقع نافورة العذارى التي تتدفق اليها المياه المسحوبة من الجبال العالية المحيطة بالمدينة عبر انابيب فخارية من فتحات افواه الاسود الحجرية، وتذكر بعض الدراسات ان هذه النافورة كانت تضم تمثالا ضخما يمثل الفحولة والرجولة ولكنه دُمر فيما بعد لاختلاف الثقافات لان النحات الروماني اسقط عنه ورقة التوت. ومن اهم المعالم البارزة في المدينة معبد ارتيمس «الهه الصيد» وهو آية في الفن باعمدته الذاهبة للسماء التي تكاد تنقر الغيوم بمناقيرها وفي هذا المعبد حدثت اسطورة الحب الخالد الجرشي، وهي ان اجمل فتيات جرش كانت تدعى «ماريانا الجرشية، تضع شروطا تعجيزية للفوز بقلبها وعجز الشباب عن الوفاء بالشروط لانها تتطلب قدرات روحانية عالية، وشخصية نقية جذابة، واستطاع احدهم الفوز بقلبها، واثناء مراسم الزواج في المعبد طلبت منه «ماريانا» اثبات حبه، فاستل حربته وزرعها في صدره، وسقط مغشيا عليه، مضرجا بدمائه فما كان منها الا ان انتزعت الحربة من صدره وزرعتها في صدرها وسقطت فوقه جثة هامدة واختلطت   دماؤهما وشكلت اجمل لوحة حب، ويدّعي الروحانيون ان صرخات ماريانا العاشقة ما زالت تدوي في ارجاء المعبد في ليلة زواجهما كل عام. اهالي جرش كانوا يطلقون «الخراب» على الاثار، وبمقارنة عابرة بين جرش الاثار القديمة وجرش الحديثة تلمس الفرق الشاسع. فخبراء التنظيم الجديد زرعوا محطة تنقية مكشوفة القذارة، نفاذة الرائحة على بوابة المدينة وفي مواجهة بوابة النصر التي كانت تستقبل القادة الابطال. كما احتل التجار الارصفة واصحاب البسطات تخندقوا امام ابواب المساجد والبنوك، فيما العربات المتجولة تعوق حركة السيارات التي هي الاخرى تشهد فوضى خانقة لا فوضى خلاقة، والسوق الرئيس صار كراجا لسيارات البيك آب، وفي الشارع التجاري تتجاور الصيدلية مع بائع الاحذية، والفرن الى جانب نتافة الدجاج، والحداد يلاصق بائع الحلويات والنجار في مواجهة محل الاجبان والالبان ....انني استحلفكم بالله ايهما الاجدر بحمل كلمة الخراب جرش التاريخ والحضارة التحفة الهندسية ام جرش الحديثة التي لم تستكمل مجاريها بعد ...؟!

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :

عبدالناصر الزعبي20-08-2012

اتمنى على الله ان تصل صرختك هذه لعقول وقلوب ابناء جرش الشرفاء والاحرار.. فهم وحدهم القادرون على رد الاعتبار لجرش الحضارة والتاريخ القها وسويتها التي تستحق
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

سامر القطان18-06-2012

بإذن الله يجي يوم و يلعب عيالي بأرضها مثل ما أبوي كان يلعب بأرض جدنا الغالي. و أقول فيها :
تسألني جرش عن حالي و أحوالي
و العبرة تختنق تذكرني بحالي
للغالية أفتدي روحي و مالي
و أقول عسى ربي يجمعني بها تالي
وسلامتكم
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

بندر القعدان18-06-2010

وقفت في جرش بالامس معتبر بين الطلول وما في وقفتي عارو .... كان هذا بيت الشعر عن الاطلال اي الاثار القديمة ولكني اليوم اكتبه عن جرش الحديثه شكرا ابو محمد.
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

ابو منصور26-04-2009

جرش الغالية ، السلام عليك يا امي ، وعلى ارضك الطيبة حيث نشأتُ وترعرعتُ ومنها تشكلت بصمات ذاتي ، ومن هويتك تجذرَت وتبلورَت مرجعيتي للاشياء . عشقتُ تباينَ فصولكِ الاريعة يوم ان كان عدد قاطنيك مع ضيوفهم لا يتعدى الخمسة آلاف وكنت تطعمينهم من رحمك الحاني ، ويفوح من خبز قمحك الحور
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

مصطفى العواملة22-04-2009

مقارنة شيقة وتصوير حركي رشيق يتنقل بخفة وذكاء بين ساحات جرش العتيقة وأعمدتها وتيجانها وما تبقى من أنقاض أسواقهاالتي كانت تعج بالبشر حتى أنك تشعر بهم وتسمع أصواتهم من خلال احتكاك تيارات الهواء بالاعمدة فتتصور نفسك تتسكع بين الرومانيات بأثوابهم الملونة الشفافة وقاماتهم الر
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.