" الفائز في الربيع العربي"

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2012-07-16
1357
نقولا ناصر

 "هل إسرائيل هي الفائز في الربيع العربي؟" كان هذا هو العنوان - السؤال الذي اختاره د. جابرييل م. شاينمان لمقاله الذي نشره "المعهد اليهودي لشؤون الأمن القومي - JINSA" في الحادي عشر من هذا الشهر، وتلخص جوابه عليه بقوله: "المفارقة أن ما يسمى /الربيع العربي/ قد جعل إسرائيل أقوى حيث أخذ أعداء إسرائيل كل بخناق الآخر. وبينما تحترق العواصم العربية .. حصنت إسرائيل نفسها بالفولاذ بهدوء وعناية"، وبينما "يهتز الشرق الأوسط بعنف، فإن الأرجح أن تترك إسرائيل لشأنها"، و"كلما زاد تمزيق المنطقة لنفسها، تطفو إسرائيل إلى القمة أكثر، من دون أن تتضرر اقتصاديا أو عسكريا أو دبلوماسيا".
وبعد يومين، في الثالث عشر من الشهر، خلص البروفسور الإسرائيلي المخضرم بين مراكز الأبحاث الاستراتيجية والأمنية في دولة الاحتلال الإسرائيلي، باري روبين، في مقال له إلى أن الوضع الأمني لدولة الاحتلال "يبدو أفضل" بعد "عودة العالم الناطق بالعربية إلى فترة من عدم الاستقرار والصراع المستمر في كل بلد من بلدانه .. فالمعارك الداخلية سوف تعطل الجيوش والاقتصادات العربية، مما يخفض قدرتها على قتال إسرائيل .. والأرجح أن يحطم العنف والصراع والفوضى في الداخل كل بلد ناطق بالعربية ليبطئ التقدم الاجتماعي – الاقتصادي فيه لسنوات، بل لعقود من الزمن، مقبلة .. سوف يكون الصراع في الشرق الأوسط خلالها بين السنة وبين الشيعة، وليس صراعا عربيا إسرائيليا".
ويوحي الكاتبان خطأ وكأن "العالم الناطق بالعربية" كان في "صراع" حقا مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، متجاهلين حقيقة أن إجماع جامعة الدول العربية على "مبادرة السلام العربية" قد أنهى، أو في الأقل جمد، من جانب واحد، "قتال إسرائيل" وكل صراع عسكري معها، وليس ذلك فحسب بل إنه استبدل "الصراع" بمعاهدات واتفاقيات وتفاهمات "سلام" معها، ليترك سورية واحدة وحيدة عربيا في حالة حرب رسمية وعملية مع دولة الاحتلال.
لذا فإن ما قصده الكاتبان على الأرجح هو ان "ما يسمى /الربيع العربي/ قد جعل إسرائيل أقوى" في فرض هيمنتها العسكرية على المنطقة لتكون مساحة الاحتلال السياسي الإسرائيلي للقرار العربي أضعاف المساحة الجغرافية لاحتلالها العسكري.
ويتفق الباحثان الاستراتيجيان مزدوجا الجنسية الإسرائيلية – الأمريكية على أن تورط إيران وتركيا في الصراع الطائفي المقبل في الشرق الأوسط سوف يضعف كلتيهما في مواجهة دولة الاحتلال الإسرائيلي في التنافس الثلاثي بين الدول الثلاث على دور القوة الإقليمية المهيمنة، وهذا دور تفرض الجغرافيا السياسية أن يكون دورا طبيعيا للعرب في الإقليم الذي يمثل الوطن العربي قلبه.
وتقف سورية اليوم في عين هذه العاصفة الطائفية الأمريكية الإسرائيلية التي تضرب المنطقة، مما يذكر بأن المفكر السياسي العربي السوري د. جمال الأتاسي كان قد حذر في وقت مبكر جدا من ان التجزئة الطائفية في الوطن العربي أخطر كثيرا من التجزئة السياسية فيه، وهو مؤسس "الاتحاد الاشتراكي العربي" الذي تسلم حسن عبد العظيم قيادته بعد وفاة الأتاسي عام الفين.
وفي هذا السياق لا يسع المراقب إلا أن يتساءل عما كان سيكون عليه موقف جمال الأتاسي، لو قيد الله له طول العمر ليعيش الوضع الراهن في سورية، فهو على الأرجح كان سيدعم عبد العظيم في معارضته من حيث المبدأ للاستقواء بالولايات المتحدة الأمريكية وامتداداتها الأوروبية والعربية تحت مظلة حلف الناتو من أجل التغيير والإصلاح في سورية وفي غير سورية من الأقطار العربية، لايمانه العميق المعلن بالارتباط العضوي الديالكتيكي بين "التغيير والتحرير" في الوطن العربي، ومعارضته من حيث المبدأ لـ "العسكرة" التي تستعيض بالسلاح والعنف عن قوة الجماهير باعتبار اللجوء إلى السلاح والعنف دليل عدم ثقة في قدرة الجماهير على التغيير.
لكن من المشكوك فيه أن د. الأتاسي كان سيدعم خليفته عبد العظيم، المنسق العام لهيئة التنسيق الوطنية المعارضة الآن، في تردده الحالي الذي يتميز بالطلاق بين "المبدأ" المعلن وبين ترجمته عمليا على الأرض والذي يقف فيه على "الحياد" في صراع يدعي السعي إلى "تغيير النظام" بين دفاع وطني عن بقاء الدولة السورية وبين عدوان خارجي يسعى إلى تدميرها على الطريقتين العراقية والليبية بأيد أجنبية وطائفية وتمويل وتسليح خارجي.
إن من وقفوا على "الحياد" في معادلة مماثلة في العراق قبل الغزو الأمريكي عام 2003 وبعده قد أصبحوا خارج التاريخ الآن، وليس هذا هو بالتأكيد المصير الذي يتمناه أي حريص على العروبة وقواها الحية للتيار "الناصري" الذي يمثله عبد العظيم في سورية اليوم.
إن المسؤولين العرب عن إطالة أمد الوضع الراهن في سورية واستفحال أزمته، بتجويع شعبها بحجة محاصرة "النظام" و"تغذية" المعارضة له بالمال والسلاح، لا يساهمون بالتأكيد في تعزيز "الاستقرار الإقليمي" الذي "ركزت" عليه "المحادثات المثمرة" بين الرئيس المصري محمد مرسي وبين خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله قبل أيام، حسب وكالة الأنباء السعودية.
ففي عالم يعود مجددا إلى تعدد الأقطاب وأجواء "الحرب الباردة" في حقبة القطبين الأمريكي والسوفييتي في القرن العشرين الماضي تصبح ثلاثة شروط مسبقة لا غنى عنها للتضامن العربي المفقود، وهو عماد الاستقرار الإقليمي، وهو أيضا الشرط الموضوعي المسبق لحسن الجوار الإقليمي: أولها أن يقوم هذا التضامن على قاعدة "عدم الانحياز" دوليا، وثانيها بناء الأولويات العربية على قاعدة "مركزية" القضية الفلسطينية عربيا، مما يقتضي التحرر من فرض الأولوية الأمريكية – الإسرائيلية في "التخلص" من "الخطر الإيراني" أولا على جدول الأعمال العربي، وثالثها احترام السلطة، ملكية كانت أم أميرية أو جمهورية، للشعب وخياراته في الإصلاح والتغيير والتحرير.
ولأن تحقيق كل هذه الشروط أو أي واحد منها يحتاج إلى ثورة شاملة أعمق كثيرا من كل ما جادت به الاحتجاجات الشعبية العربية من تضحيات حتى الآن، فإن الاستقطاب العربي سوف يستمر على الأرجح حد الانقسام المدمر الذي يستفحل حاليا لصالح أن تكون "إسرائيل هي الفائز في الربيع العربي" حقا وفعلا، وأن يكون العرب جميعهم خاسرين حكاما ومحكومين، ليستفحل الاستقطاب الطائفي والمذهبي كذلك، فتتحول أنهار الدم المسفوك فيه إلى ثارات جاهلية تمنع احتواءه في أي وقت منظور، لتجرف في طريقها كل النافخين في فتنة تاريخية كانت نائمة سوف يلعن الشعب والتاريخ كل من أيقظها.

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.