زلزال يضـرب دمشق

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2012-07-19
1476
زلزال يضـرب دمشق
عريب الرنتاوي

 الثامن عشر من تموز، يوم فارق في مسار الأزمة السورية المشتعلة منذ ستة عشر شهراً، ضربة قاصمة تعرض لها النظام ومؤسستاه العسكرية والأمنية، لا نعرف حتى الآن كيف ستكون تداعياتها وآثارها على مستقبل المواجهة، والحقيقة أننا نجد صعوبة في تتبع خيوط الحدث السوري، فالإعلام السوري لا يغني ولا يسمن من جوع ونهم للمعرفة، والفضائيات “إياها” باتت جزءاً لا يتجزأ من “آلة الحرب النفسية والدعائية” ضد النظام، لا يمكن الوثوق بأخبارها ولا بتقاريرها، نعم، لقد بتنا نهباً للفراغ الذي يحيلنا إلى مزيدٍ من التشتت والالتباس.

تفجيرات دمشق التي استهدفت قلب النظام العسكري والأمني، تعلن رسمياً ونهائيا، مرة واحدة وإلى الأبد، فشل الخيار الأمني الذي اتبعه النظام منذ اليوم لاندلاع الأزمة، فالأمن الذي يعجز عن حماية نفسه وعقله وقيادته، أعجز من أن يوفر الأمن والاستقرار للشعب السوري، وأعجز من أن يخرج بالبلاد من عنق الزجاجة، هذا درس الأزمة السورية الأول، على أنه درس عربي بامتياز كذلك.

والتفجيرات في دمشق، التي أعقبت يومين من القتال المتنقل بين أحياء العاصمة وحواريها، تشي بأن الأزمة في سوريا قد تخطت كل الحلول السياسية والدبلوماسية، هي الحرب المفتوحة التي لن تنتهي إلا بقاتل وقتيل، غالب ومغلوب، لقد “فات القطار” على الدبلوماسية وحلولها ومبادراتها وموفديها، الصوت الآن للسلاح، والكلمة العليا للرصاص والمدافع، والمنتصر في الميدان، هو من سيكتب “الفصل” الخاص بهذه الحقبة في تاريخ سوريا الحديث.

والتفجيرات في دمشق، بصرف النظر عمن نفذها (والأرجح أنها ومعارك دمشق المتنقلة من تنفيذ جهة أصولية، تستمرئ العمل “الاستشهادي” الذي لم يعتد على الجيش السوري، لا النظامي منه والحر الذي انبثق من رحم الأول)، الأرجح أن هذه التفجيرات، سوف تشجع المعارضة المسلحة على المضي في طريقها، ظناً منها، أو بالأحرى رهاناً منها على “جدوى” و”جدية” خيارها المسلح، وإيماناً منها بأن لحظة النصر الأخيرة باتت قوسين أو أدنى.

أما النظام، فسيجد صعوبة فائقة في إعادة لملمة صفوفه وترتيب أوراقه، فلا شك أن وصول الانتحاري أو الانتحاريين، إلى قلب “خلية الأزمة” وتمكنه من الإطاحة بكل تلك الرؤوس دفعة واحدة، سوف يضعف من معنويات هذه قواته المسلحة وأجهزته الأمنية، وسنرى قريباً حالات تمرد وعصيان وانشقاق، تزداد عدداً وترتفع من حيث نوعية المنشقين ورتبهم، وفي المجالين المدني والعسكري.

التفجيرات الأخيرة، ستعضف ثقة حلفاء دمشق بالأسد ونظامه، فالرجل لم يطلب منهم سوى المزيد من الوقت لإنجاز الحسم مع المتمردين والمنشقين، لقد أخذ أكثر ما طلب من وقت، لكنه بدل التخلص من الثورة والمسلحين و”الإرهابيين”، يجد نفسه الآن، وجهاً لوجه معهم في كفر سوسة والميسات والتضامن وشارع بغداد والميدان والبرزة والقابون وحرستا ودوما، في قلب دمشق، وليس في أريافها فحسب.

التفجيرات الأخيرة، ستعطي دفعة إضافية لخصوم النظام الإقليميين والدوليين، الذين سيكثفون دعمهم للمعارضات المسلحة، وسيعززون مطالبهم بتنحي الأسد أو تنحيته، وسيجري العمل على تسريع خطة الانتقال بسوريا إلى مرحلة ما بعد الأسد، وهذا ما ستتضح تفاصيله خلال الأيام وليس الأسابيع القليلة القادمة.

قبل “معركة دمشق” وقبل تفجيراتها الأخيرة، كان واضحاً تماماً أن النظام “آيل إلى سقوط”، وأن الأسد لن يبقى في موقعه، المسألة كما قال رئيس شعبة الاستخبارات الإسرائيلية أمام الكنيست، مسألة متى وكيف وبأي ثمن، وقد حدد للعملية مسافة زمنية تمتد من بضعة أشهر إلى سنتين ونصف السنة، بعد أحداث الأيام الأخيرة، التقدير ما زال على حاله، لكن الآجال الزمنية، يبدو أنها ستُختصر وقد تتقلص إلى ما دون تقديرات الجنرال أفيف كوخافي بكثير.

لكنها ستكون فترة قاسية جداً على السوريين جميعا، النظام سيضرب بقسوة، والمعارضة المسلحة سترفع من منسوب عملياتها وسيرتفع منسوب جرأتها، وسيراق خلال الفترة القادمة شلال من الدم، المعركة في سوريا وعليها، تقترب من لحظة الحسم، والطرفان ما زالت لديهما من الأوراق الشيء الكثير، مع فارق واحد، أن مرور الزمن يحرق الكثير من أوراق النظام ورموزه وداعميه، فيما المعارضة المسلحة وخصوم النظام، فيراكمون المزيد من الأوراق.

أمس، دخل تاريخ الأزمة السورية بوصفها يوماً فارقاً وعلامة على الطريق، ما بعده لن يكون كما قبله، لكن من السابق لأوانه، التكهن بما ستكون عليه أشكال المواجهة وساحاتها ومفاجآتها، سوريا حبلى بالمفاجآت والمزيد منها، خصوصاً مع اقتراب قطار الأزمة من محطته الأخيرة.

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.