درسا الجريمة النكراء في سيناء

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2012-08-08
1359
درسا الجريمة النكراء في سيناء
عريب الرنتاوي

 بحسابات المصالح، فإن إسرائيل هي المستفيد الأول (لا الوحيد) من الجريمة البشعة التي اقترفتها عصابات جرمية إرهابية في سيناء وأودت بحياة كوكبة من الجنود المصريين البسطاء، لكن من وجهة نظر “التحقيق” في ظروف العملية وملابساتها، فإن كافة الاحتمالات يجب أن تبقى فوق الطاولة وقيد البحث والتمحيص.

العملية وجهت صفعة مؤلمة لتجربة أول رئيس مدني/ إخواني/ منتخب في مصر، وشكلت تحدياً محرجاً لحركة حماس وحكومتها في غزة، وهي زرعت بذرة أول خلاف عميق بين “حكمي الإخوان” في مصر والقطاع، لكأنها مصممة لتحقيق هذا الغرض، ولو سُئلت أكثر العقول ظلامية عن أفضل الطرق لإحداث الوقيعة بين غزة والقاهرة، لما جادت قريحتها بأفضل من سيناريو كهذا.

والحقيقة أن أخباراً من نوع: دخول الإسلاميين إلى ديوان الرئاسة في مصر، والانفتاح الملحوظ في علاقات مصر ما بعد الثورة مع قطاع غزة وحركة حماس، ليست من النوع الذي تطرب له الآذان و”المصالح” الإسرائيلية، ولهذا نقول أنه وبصرف النظر عن هوية من أمر وخطط ونفذ، فإن عملية سيناء الإجرامية، تصب القمح صافياً في المصلحة الإسرائيلية، برغم دموع التماسيح التي ذرفها بعض المسؤوليين الإسرائيليين على الشهداء والضحايا.

لكن إسرائيل ليست المتهم الوحيد، وربما غير المرجح، في هذه الجريمة، فسيناء قبل الثورة وبعدها، كانت مسرحاً لنفوذ متزايد للقاعدة والجماعات الإسلامية المتطرفة التي استفادت من الفراغ الأمني الذي رتّبته اتفاقيات كامب ديفيد في هذه المنطقة من جهة، والفراغ السياسي والإداري والتنموي المترتب على سياسات التهميش والإهمال التي اعتمدها نظام حسني حيال هذه سيناء وأهلها من جهة ثانية، وحساسية الاستثمار السياحي الكثيف على أطراف الصحراء وخلجانها حيال “العسكرة” والوجود الأمني الكثيف من جهة ثالثة، فضلاً عن الدور التاريخي لهذه المنطقة، كطريق معروف لتهريب كل شيء، من السلع والأفراد إلى تجارة الرقيق والإرهاب مروراً بالمهاجرين واللاجئين بحثاً عن الماء والكلاء في دول التصحر الأفريقية.

لقد استحالت هذه المنطقة، قبل الثورة وبالأخص بفعل تداعيات الثورة، إلى مرتع خصب للإرهاب الأصولي وتهريب السلاح، خصوصاً بعد انفتاح مستودعات كتائب القذائفي، أمام كل السرّاق والنهّابين، حيث باتت الأسلحة الثقيلة والمتطورة، سلعاً يجري الاتجار بها وتهريبها إلى أربع أرجاء الأرض، وهي التي شكلت قبل الربيع العربي بسنوات “كوريدوراً” أمنياً رخواً، مكّن هذه المجموعات من الوصول إلى شرم الشيخ والعقبة وإيلات وطابا.

ولأن “الإرهاب لا لون له ولا طائفة أو قومية أو دين، ولأن جغرافيا القطاع المحاصر مندمجة مع جغرافيا سيناء ومتداخلة معها، فقد كان طبيعياً أن يجد “المتطرفون” هنا وهناك، من روابط القرابة والأخوة، ما يكفي لدفع التنسيق والتعاون والشراكة فيما بينهم، إلى أقصى الحدود الممكنة، ودائما بما يتهدد أعمق المصالح الفلسطينية والمصرية على حد سواء.

لكل هذه الأسباب، لا نستبعد أن تكون “القاعدة وأخواتها” هي المسؤولة عن الجريمة النكراء، كما لا نستبعد “الاختراق الأمني الإسرائيلي” في المعلومة والتسريب والتسهيل والتوظيف، ولكل هذه الاعتبارات نأخذ على محمل الجد بعض التحليلات الرصينة التي صدرت عن بعض الأجهزة الأمنية المصرية في هذا الاتجاه.

لكننا لا نقبل بأي حال من الأحوال، أن يدفع الفلسطينيون بعامة، وأهل القطاع بخاصة، الثمن الأبهظ لهذه الجريمة، فلا ينبغي أن يؤخذ الشعب الفلسطيني بجريرة نفر من متطرفيه، إن ثبت تورط بعض الفلسطينيين في العملية، كما لا يجوز أن يعاقب الفلسطينيون كافة في معاشهم وتنقلهم وسفرهم جراء هذه العمل الإرهابي، ولا ينبغي السماح لعملية المصالحة بين مصر والقطاع بأن تتقهقر للوراء، تحت ضغط الجريمة وبفعل تداعياتها، كما لا يتعين على أحد، أن يتخذ من دم الشهداء ذريعة لتصفية الحسابات، سواء مع التيار الإخواني في مصر، أو مع حماس في غزة، يجب أن يؤخذ الموضوع بحجمه، وبحجمه فقط.

ونجدها مناسبة للتأكيد على الحاجة للوقوف أمام أهم درسين يمكن استخلاصهما من هذه العملية الجبانة أولهما: الحاجة لإعادة إحكام سيطرة مصر الأمنية والعسكرية على سيناء طولاً وعرضاً، أرضاً وفضاء ومياهاً إقليمية، حتى وإن أدى ذلك إلى “تعديل” اتفاقيات كامب ديفيد أو “كسرها، فالالتزام بأمن إسرائيل في سيناء لا يجب أن يكون مُقدّماً على حفظ أمن مصر الوطني في مواجهة عبث العابثين، ولقد آن الأوان للخروج من قبضة “الابتزاز” الإسرائيلي في هذا المجال.

والثاني: أن حلاً جذرياً لأزمة حصار غزة ونبذها وتجويعها، قد بات مطلوباً مصرياً وفلسطينياً سواء بسواء؛ فالطريق إلى إغلاق الأنفاق والقضاء على ظواهر التهريب، يمر حكماً بفتح الحدود بين مصر والقطاع وتنظيمها والإشراف عليها رسمياً، ولكي يكون ذلك ممكناً، ومن ضمن رؤية لا تفضي إلى انفصال القطاع عن بقية الوطن الأم، ولكي لا يكون ذلك مدخلاً لرمي “حبة البطاطا الساخنة” في الأيدي المصرية، لا بد لهذا الطريق أن يمر عبر بوابة المصالحة الوطنية الفلسطينية الشاملة، فتصبح الحدود والمعابر جزءا من الحل لا سبباً في خلق مزيد من المشاكل.

إعادة النظر في اتفاقيتي كامب ديفيد ورفح، همي الخلاصة التي يتوجب استخلاصها والعمل بها، وبخلاف ذلك، ستنضاف جريمة سيناء، إلى سلسلة من الجرائم المماثلة السابقة، لا تختلف عنها بشيء، سوى أنها جاءت بأول رئيس مصري إلى سيناء منذ عشرات السنين؟!.

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.