بقايا الليبرالية المنهاره

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2009-05-11
1327
بقايا الليبرالية المنهاره
طاهر العدوان

وقائع كثيرة في العمل العام تحتاج الى تفسير, تحتار في قبولها النفس مثلما يصاب العقل بعسر هظمها وتعذر الاحاطة بدواعيها واسبابها, »ولله في خلقه شؤون« لكن للعباد في شؤون حياتهم ما لا يستحقون العيش مع ما يعتبر خطأ جليا, يتناقض كل التناقض مع مفاهيم الاديان والحضارات التي تدعو الى احترام عقل الانسان وعواطفه ومشاعره.

 
من جملة الافكار التي خلفتها الليبرالية الجديدة, استبدال دور الحكومات والبرلمان بدور اللجان التي بثت هنا وهناك, لتغطي معظم جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية, ومهمة هذه اللجان ليس فقط الالتفاف حول اعمال الحكومات وتقليص سلطاتها بحجة تجاوز البيروقراطية وادارات الدولة بتهمة تقييد الابداع, لكن لها ايضا مهمتان اكثر تأثيرا.
 
المهمة الاولى: تفريخ تشريعات جديدة, ودفعها الى الحكومات والبرلمان تحت شعارات الاصلاح بينما الهدف منها تأمين زحف القوى الاقتصادية والمالية الجديدة لاحكام سيطرتها على مواقع السياسة والتشريع, وهم, اي الليبراليون الجدد, عندما ينادون بالحد من انشطة الدولة باسم التنمية ونظام السوق, فانهم في الواقع يؤسسون لدور في الدولة يتحكمون في كل صغيرة وكبيرة فيها وباسم تهيئة اجواء الاستثمار يضعون قوانين الاضطهاد السياسي وكبت الحريات.
 
المهمة الثانية: خلق معايير جديدة لقيم الانتاج والاخلاق والسلوك العام, وتحت مظلة التنافس والابتكار وحرية الاستثمار والخصخصة.. خُرقت قوانين الدولة وهدمت اسس الرقابة والمساءلة والمحاسبة, وتحول الفساد الى ظاهرة وليس الى جريمة, تماما مثل ارتفاع اسعار البندورة واللحوم, وبينما كان معيار اي تنمية تحقيق عوائد لأوسع شرائح المجتمع, اصبحت التنمية مصدر الثراء الاسطوري »بين يوم وليلة او بفركة اصبع« لفرد هنا ومجموعة هناك!.
 
صفوف طويلة من المتعلمين والاذكياء لم يعد لهم من وظيفة غير تنمية دخولهم ودخول نادي الاثرياء بجميع الوسائل المشروعة وغير المشروعة, ما دام المناخ العام, لن ينظر في النهاية الى كيفية حصول المرء على الثروة, وانما يُقيّم مكانته الاجتماعية والسياسية حسب ما يملك, ثم يمنحه من الامتيازات ما لا يتخيل, والنتيجة ولادة طبقة في المجتمع لا اعتبار عندها للمصلحة العامة انما لحاجات كل فرد منها, وهذه الطبقة ليست موحدة إلا بمواجهة المجتمع, لكنها فيما بينها هناك تنافس وحرب مصالح ضروس.
 
ومن جملة ما خلفته الليبرالية الجديدة التي لا تريد الاعتراف بمسؤوليتها عن انهيار الاقتصاد العالمي, هياكل من لجان وجوائز وادبيات على شكل »برشورات« هي اشبه بدعاية القهوة والشاي, على المستوى العالمي, فاحيانا تقرأ عن ما في القهوة من فوائد للقلب والعقل وصحة الانسان ما يدفعك للصوم عن شرب الشاي, لكن ما ان تطمئن لسلوكك الجديد حتى تتراجع عنه عندما تقرأ عن فوائد مماثلة للشاي وما يقابلها من اضرار للقهوة فتحتار فيما وقعت فيه, ان لم تنقذك فطنة العقل بانك لست سوى ضحية خدع اعلانية لا غير, هدفها التسويق كلما ارتفعت المخاوف بكساد البضاعة.
 
ومن انحرافات اخلاقيات الليبرالية الجديدة قفزها فوق القيم الاخلاقية المعروفة, فهي لا ترى في الفساد وباء, انما نشاط مشروع ما دام المفسد قادر على الصمود والتقدم في الصفوف الامامية للطبقة الجديدة وحتى نيل الجوائز والمكافآت, ويحضرني في هذا ما اقترحه احدهم اثناء نقاش حول ظاهرة الفساد والجوائز العينية وغير العينية التي يحظى بها المفسدون بان تنشأ "هيئة عامة لتنظيم قطاع الفساد" وبان يكون هناك ضوابط, فيها حد ادنى من الاخلاق وحد ادنى من التمادي والسطو على ما هو حق للمال العام. وبالطبع, فان هذه دعابة سوداء في ظل حالة حاولت ان اجد لها مدخلا, فلم اجد غير ما بدأت به هذه المقالة من حيرة العقل والنفس.0
 
أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.