اغتيال قلم

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2009-01-07
1774
اغتيال قلم
بسام الياسين

  

...*  اقرأ وربك الاكرم*  الذي علم بالقلم. كلمات مستقطرة من نور الحكمة الالهية، والتوجيه الرباني الحكيم، حملها بريد الريح  المضمخة بالايمان،  في رسالة  مروسة بـ«سورة القلم» ومعنونة الى العربي الامي محمد بن عبدالله  الراعي المكي المتأمل في غار حراء، حاملة في طياتها مفاتيح اعجاز  الكلمة، واسرارها المستغلقة،  ورموز اقفالها المشفرة، بلغة بلاغية بليغة، الى اعتى رؤوس الكفر الحامية في مكة المكرمة،  اهل البلاغة  والحسب،  واصحاب الفصاحة والنسب ليخرج الراعي الامي اليتيم من الغار نبيا للامة، ورسولا للناس كافة.

 

*ن* والقلم وما يسطرون، اي تشريف لهذا القلم وحامله،  واي انعطافة فاصلة في تاريخ العرب. كان هذا قبل الف وخمسمائة  سنة، فيما يعيشون اليوم ايامهم في الاتجاه المعاكس لدورة الزمن بعد ان نزلوا من قاطرة العلم والعمل والانتاج  لتتساقط الدقائق والايام والسنوات من حاضرهم ومستقبلهم كما تتساقط الاوراق الميتة من اغصانها، الاسوأ ما تقوم به بعض الانظمة العربية من تحطيب للغابات لاستخدامها في تصنيع الهروات بدل استخدامها في صناعة الاقلام مما فاقم عوامل التعرية والعري، واتساع التصحر العلمي والجفاف المعرفي.

  الشيخ المهيب جمال الدين الافغاني دفع ضريبة قلمه الجارح، فهام على وجهه في الاقطار النائية حتى حط رحاله في غرفة ضيقة رطبة في باريس، وتساءل حينذاك: «اليس هناك من ركن واحد في ديار الاسلام استطيع العيش فيه بمنجاة من الاستبداد؟!» وكان يخاطب الحكام العرب في ساعات الشدة ووحشة الغربة «لو لم تكونوا حولتم بلادنا الجميلة الى سجون  قذرة لما احتجنا اللجوء الى الاوروبيين».

 واذا كان التاريخ يكرر نفسه على شكل مهزلة او مزبلة فان ما جرى قبل اسابيع قليلة من اعدام البرنامج التنويري «قلم رصاص» الاكثر تميزا، والاوسع جماهيرية، للاعلامي المتوهج حمدي قنديل، صاحب الخط العروبي النقي  كان ذروة المهزلة. هذا القنديل اثار المخاوف، وفجر المشاعر، بحضوره الصاخب وروحه الثائرة في بسط الحقائق في مواجهة العتمة، وافلاس الاعلام العربي، واذا كانت موجات التتار والصليبيين والصهاينة والامريكان  هي اشد الكوارث التي حلت بالامة فانه لا يضاهيها  الا  فتح السجون لاهل الرأي الاخر، واغتيال الاقلام، وترويض المعارضة وتدجينها بكل الوسائل الخبيثة.

 اغتيال «قلم رصاص» الذي احتل رأس السلم التراتبي للبرامج  المؤثرة هدفه ابقاء المشاهد العربي اسير الاعلام الرسمي الموجه، ورهينة  كباريهات التضليل، وتحت وصاية الفضائيات المحشوة بالاكاذيب في زمن فتح الله علينا ابواب السموات كيفما وعندما ومتى نشاء بعيدا عن طبخات وزراء الاعلام الفاسدة. عبقري  الكلمة والحكمة عمر الخيام قال ذات غضبة نقاشية لاحد الوزراء بعد ان اتهمه بتعاطي الخمر والشعر وتخريب  العقول: ان امثالي  لا يجود الزمان بحفنة منهم في العصر الواحد في حين يمكن تبديل خمسة وزراء من امثالك  في العام الواحد. سيبقى العرب ايتام العصر، ومادة سخرية لرسامي الكاريكاتير  طالما  ظلوا يستبدلون قناديلهم المتوهجة  بالضاربين على الطبول، والناقرين على الدفوف، والنافخين بالمزامير ولم يبق الا  ان ننقش على شاهدة قبر الاعلام العربي... انا لله وانا اليه راجعون.

 

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :

ابو منصور11-01-2009

رائعٌ رائعْ...واسمح لي ان انتقي فقرة اعجبني فيها التشبيه والتطابق الدقيق بين المادي/ والمعنوي لغةً ومعنى . اقتبس : "من تحطيب للغابات....عوامل التعرية..والعري....واتساع التصحر العلمي..والجفاف المعرفي." اخي ابو محمد : مطاردة الاقلام امر قديم جديد وسيظل قائما طالما بقي هناك مظلوم وظا
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

مصطفى العوامله07-01-2009

انه قلم غير قابل (للفطع)-(حين كنا صغارا نشتري أقلام رصاص راسها ينكسر بسرعة لانها من الأنواع الرديئةلذلك كنا نقول عنها أقلام رصاص فطاعية)-...ككثير من الأقلام التي مللنا قرائتهاومع ذلك فان أصحابها غير مقتنعين بأنها اهترئت ولم تعد صالحةللكتابة -----الا هذا القلم الذي تتوهج حروفه جر
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.