معايير مزدوجة ... خطاب مزدوج

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2012-09-16
1568
معايير مزدوجة ... خطاب مزدوج
عريب الرنتاوي

انتقدت الولايات المتحدة على أرفع المستويات وبأشد العبارات، “الفيلم المسيء” للرسول الكريم، ونفت أية صلة لمنتجيه بالإدارة..لا من قريب ولا من بعيد...لكنها في المقابل، حرصت أشد الحرص على تأكيد احترامها لحق المواطن الأمريكي في إبداء الرأي وحرية التعبير...وهذا الموقف بشقيه، يسجل لواشنطن لا عليها، على أية حال.

لكننا حين نرى مبادئ حرية الرأي والتعبير، تُحترم في ميادين وتُنتهك في ميادين أخرى...نجد صعوبة في تصديق “الحكاية الأمريكية الرسمية”...ونعاود الحديث تكراراً عن “المعايير المزدوجة” وسياسة “الكيل بمكيالين”...حرية الرأي والتعبير في الولايات المتحدة والغرب عموماً، تتوقف عندما تبدأ “المصلحة الإسرائيلية”...هنا يصبح أي حديث نقدي حيال إسرائيل، عداء للسامية وتحريض على الكراهية، يُخضع صاحبه للمساءلة والمحاسبة.

لا تتيح القوانين الأمريكية ملاحقة أي مواطن لرأي قاله أو لموقف أدلى به...حتى وإن عبث بالتاريخ والأديان، وأساء لمبادئها ورموزها وشكك بالرسل والرسالات السماوية، فحرية الرأي والاعتقاد مُصانة بالدستور...وتفاخر الولايات المتحدة بأنها ستحمي هذا الحق لمواطنيها مهما كانت العواقب وردات الفعل على أعمالهم المشينة...لكن هذه المنظومة القيمية والقانونية، تسقط فوراً، وتتحول إلى نقيضها، إن تجرأ كاتب أو فنان على التشكيك بأي فصل من فصول الرواية الصهيونية الرسمية عن “المحرقة النازية” على سبيل المثال، أو تساءل عن “وعد الله لشعبه المختار” بامتلاك الأرض المقدسة وما عليها.

حرية الرأي والتعبير والاعتقاد مكفولة في الولايات المتحدة، لا شك في ذلك على الإطلاق...لكن ذلك لا يمنع مؤسسات رسمية وأهلية من إسقاط مواقع عن الإنترنت وحجبها عن الفيسبوك وإغلاق مكاتب إعلامية و”إنزال” محطات تلفزيونية عن الأقمار، إن كانت تحمل في ثنايا خطابها ورسالتها الإعلامية ما قد يمس بإسرائيل ويحرض على مقاومة نهجها العدواني التوسعي...هنا يُستحضر “سيف اللاسامية البتار” ويُستخرج كل ما في قاموس “الحرب على الإرهاب” من مفردات وعقوبات ومطاردات.

نحن بخلاف كثيرين من المحتجين على “الفيلم المسىء”، لا نقترح على واشنطن سن قوانين مقيدة للحرية تحت أي حجة أو ذريعة...نحن نطالبها بإنفاذ “قانون الحرية” على الجميع، ومن دون تمييز ولا معايير مزدوجة..لا أكثر ولا أقل.

أما ردود أفعالنا – عرباَ ومسلمين - على حوادث من هذا النوع، فقد اتسمت على الدوام بـ”اللاعقلانية”...هذه المرة بلغت ردات الفعل ذروة غير مسبوقة...خرج “العنف المكبوت” من قمقمه...واستحال التعبير عن الغضب والاستنكار إلى طاقة تخريب تستهدف الممتلكات العامة والخاصة...وتحول الحدث\الفيلم إلى مناسبة ومدخل لـ”تسوية الحسابات” بين اللاعبين في هذه الدولة أو تلك....وبدل أن نعاقب “المُسيئين” للرسول، وجدنا أنفسها تعاقب أنفسنا، ونعمم الفوضى في بلادنا.

الإسلاميون في “أزمة الفيلم المُسيء”، فشلوا في مواجهة أحد أهم “اختبارات السلطة” منذ وصولهم إليها في عدد الدول العربية...لم يكن أداؤهم موفقاً...تصرفوا كما اعتادوا دائماً: كمعارضات وليس كحكومات...خطابهم بدا مزدوجاً، فهو حاول من جهة، امتطاء صهوة الشارع بالدعوة للتظاهر في البلاد وعرضها...لكنه سعى من جهة ثانية، في استرضاء واشنطن وحفظ علاقاته بها وإطالة أمد “شهر العسل” الذي ميز هذه العلاقات في الفترة الأخيرة...والأرجح أن الفشل في مواجهة هذا الاختبار، ستكون له عواقبه لجهة العلاقات بين الغرب وحكومات “الربيع العربي”، أو لجهة موقف الغرب من بعض ملفات المنطقة الأكثر سخونة، وفي صدارتها: الأزمة السورية.

وهكذا...فقد يكتب التاريخ يوماً أن “حاقداً مأفوناً” عمل عملاً رخيصاً وهابطاً، نجح في إحداث استدارات في السياسات والتحالفات في الشرق الأوسط...أشخاص نكرات، لم يطمحوا بأن يؤتى على ذكرهم في صحيفة محلية، دخلوا في قائمة المشاهير و”صناع الأحداث” العالميين...ولـ”الحدث” تتمة.

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.