الدولة الأمريكية ليست "غير مسؤولة"

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2012-09-17
1471
الدولة الأمريكية ليست
نقولا ناصر

 

إن الغضبة الشعبية العربية والإسلامية العارمة نصرة للنبي العربي محمد صلى الله عليه وسلم وضعت الدول العربية المجندة طوعا أو كرها ضمن الاستراتيجية الإقليمية للولايات المتحدة في موقف حرج وجدت نفسها فيه مضطرة لتبرئة الدولة الأمريكية من الإساءة للدين الحنيف ورسوله، ووجدت في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ورئيسه الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي ناطقا باسمها، ليعمل "الاتحاد جاهدا لتهدئة غضب المسلمين في أنحاء العالم" كما جاء في بيان للاتحاد بتوقيعه يوم الخميس الماضي، أعقبه بتصريح قال فيه إن "الولايات المتحدة ليست مسؤولة كدولة عن الفيلم" الذي فجر الغضب الشعبي.
وكان سحب جماعة الإخوان المسلمين في مصر لدعوتها إلى التظاهر بعد صلاة يوم الجمعة الماضي وتأكيدها أنها "لن تنظم سوى تجمع رمزي في القاهرة"، ورسالة نائب مرشدها خيرت الشاطر التي نشرتها صحيفة النيويورك تايمز في ذات اليوم والتي برأ فيها "الحكومة الأمريكية أو مواطنيها" من "المسؤولية عن أعمال فئة قليلة أساءت إلى القوانين التي تحمي حرية التعبير"، امتدادا لجهود القرضاوي "لتهدئة غضب المسلمين" على أمل أن "تتجاوز هذه الأحداث ... العلاقات التي سعى الأمريكيون والمصريون لبنائها خلال الشهرين الماضيين" بعد تولي الرئيس محمد مرسي مقاليد الرئاسة المصرية، مع أن الرئيس باراك أوباما منح مرسي مساحة واسعة للتجاوب مع نبض الشارع الوطني والعربي والإسلامي عندما قال في تعليق له على مضاعفات الأزمة الحالية على العلاقات مع مصر: "لا أعتقد أننا نعتبر المصريين بمثابة حلفاء، لكننا لا نعتبرهم أعداء"، لكن مرسي اعتبر دمشق، لا الولايات المتحدة، هي التي يجب أن تتجه البوصلة الشعبية إليها.

لقد وحدت نصرة النبي العربي العرب مسلميهم ومسيحييهم، ووحدت المسلمين سنتهم وشيعتهم، ووحدت المصريين مسلمين وأقباطا، ليتحدث الأزهر الشريف والكنيسة القبطية وكرسي الفاتيكان الرسولي والكنائس الشرقية بطوائفها كافة بلغة واحدة شاجبة ومستنكرة. لكن بوصلة الغضب التي اتجهت نحو واشنطن في وحدة إقليمية وشعبية تجاوزت الاستقطاب السياسي الإقليمي والعصبيات الدينية والطائفية فوجئت بمحاولة سافرة لحرف اتجاهها عندما حاول القرضاوي القفز عن الأزمة الراهنة في العلاقات العربية والإسلامية – الأمريكية الناجمة عن حملة صليبية غربية جديدة بالعودة إلى الحروب الصليبية التي حسمها العرب والمسلمون لصالحهم قبل حوالي ثمانية قرون من الزمن وإلى أزمة ساكنة في الحوار الإسلامي – المسيحي ليطالب بابا الفاتيكان الذي بدأ زيارته للبنان يوم الجمعة باعتذار، لا يجادل عربي أو مسلم بأنه اعتذار مستحق وواجب، عن الحروب الصليبية وعن مواقفه التي أوقفت الحوار، في وقت تزأر فيه جماهير المؤمنين المسلمين والمسيحيين مطالبة الولايات المتحدة بالاعتذار، في توقيت يهدد تلك الوحدة النادرة في مواجهة الولايات المتحدة.
لكن ملايين العرب والمسلمين الذين خرجوا إلى الشوارع غاضبين محتجين ومعبرين عن قناعتهم بأن الدولة الأمريكية مسؤولة، ويطالبون بقطع العلاقات معها وإغلاق سفاراتها، لم يتركوا مجالا للشك في اختلافهم مع الاتحاد ورئيسه القرضاوي ومع "الإخوان" عندما استهدفوا الأعلام الأمريكية بالحرق والسفارات الأمريكية بالحصار الذي اتسع ليحاصر الحكومات العربية التي يعبر القرضاوي عن موقفها حصارا سياسيا زاد في حرجها عندما اضطرت للجوء إلى فتح نيران أسلحتها على الجماهير الساخطة حد القتل دفاعا عن التزامها بالأعراف الدولية لحماية البعثات الدبلوماسية الأمريكية التي تستضيفها، بل واضطرت إلى التنازل عن جزء من مسؤوليتها في حمايتها، في دليل دامغ على عجزها، لتغض النظر عن قيام حمايات السفارات الأمريكية بفتح النار على المحتجين للقتل أيضا، وغض النظر كذلك عن تدفق قوات من المارينز وفرق التحقيق الأمريكان على بعضها لحماية سفاراتهم ومواطنيهم (ليبيا واليمن وتونس بينما رفض السودان استقبالهم)، والسماح لطائرات مراقبة دون طيار لانتهاك سيادتها الجوية (ليبيا)، وعدم الاعتراض على انتهاك قطع بحرية أمريكية لسيادتها في مياهها الإقليمية (ليبيا أيضا)، مما يحمل الدولة الأمريكية المسؤولية أيضا عن الموقف الحرج والصعب الذي وضعت فيه حكومات عربية متحالفة معها أو "صديقة" لها.
فالملايين العربية والمسلمة الغاضبة لم تغب عنها ازدواجية المعايير الأمريكية التي تلاحق سياسيا ودبلوماسيا وقانونيا وماليا كل شاردة وواردة في الوطن العربي والعالم الإسلامي يشتم منها ما يصفه الخطاب الرسمي الأمريكي بـ "معاداة السامية" أو "إنكار الهولوكوست" أو "إنكار وجود إسرائيل" أو "تهديد أمنها"، دون أدنى احترام لقوانين حرية التعبير الأمريكية، بينما يعلن هذا الخطاب، بلسانيه الديمقراطي والجمهوري على حد سواء، عجزه الكامل في مواجهة إساءة استخدام حرية التعبير في العداء للعرب والمسلمين. وازدواجية المعايير هذه هي سياسة رسمية للدولة الأمريكية.
ولم تغب عنها كذلك ازدواجية معايير الدولة "العلمانية" في واشنطن التي تحظر قوانينها حتى سؤال المرء عن ديانته بينما حولت وزارة خارجيتها تقريرها السنوي عن الحريات الدينية في العالم إلى أداة للضغط الدبلوماسي والسياسي على الدول تحرض الأقليات الدينية فيها عليها وتحرضها على بعضها في سياسة خارجية رسمية للدولة الأمريكية تتناقض مع قوانينها في الداخل لكنها في الوقت ذاته خلقت حاضنة ثقافية وبيئة موضوعية لتفريخ طفيليات سياسية من مزدوجي الجنسية تستخدمها واشنطن ضد أوطانهم الأم، مثل دعوة أقلية شاذة من الأقباط الأمريكيين إلى تفكيك مصر على أسس دينية.
واستبدال الشيوعية بـ "الإسلام" كعدو للولايات المتحدة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق سياسة رسمية لجزء هام من المؤسسة الحاكمة في الدولة الأمريكية، تغذيها جماعات الضغط الصهيونية واليهودية، ولم يكن استخدام الرئيس السابق جورج دبليو. بوش لعبارة "حملة صليبية" لوصف الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 "زلة لسان" كما فسرها مسؤولو إدارته، فقبل ذلك بحوالي عامين، في السادس عشر من مثل هذا الشهر، بعد أيام من هجمات الحادي عشر من أيلول / سبتمبر، أعلن بأن "هذه الحملة الصليبية، هذه الحرب على الإرهاب سوف تستغرق وقتا"، وحربه العالمية على "الإرهاب" انحصرت في الشرق الوسط ذي الأغلبية الإسلامية الساحقة، لتتحول حربه هذه إلى حرب على العرب والمسلمين حصرا، لتكون أكثر من 24 منظمة من ستة وثلاثين منظمة صنفتها واشنطن إرهابية ، منظمات عربية ومسلمة أهمها مقاوم للاحتلال الأجنبي.
وهذه وغيرها سياسات رسمية للدولة الأمريكية خلقت حاضنة موضوعية كانت ستفرخ إن عاجلا أو آجلا ظواهر مثل حرق القرآن الكريم، والقس تيري جونز، وفيلم "براءة المسلمين" الذي فجر الأزمة الحالية في العلاقات العربية والإسلامية – الأمريكية.

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.