الشعب السوري يستحق الحياة ايضا

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2012-09-25
1663
الشعب السوري يستحق الحياة ايضا
عبدالباري عطوان

 من المفترض، وبعد تسعة عشر شهرا من بدء الانتفاضة السورية، ان تكون الامور اكثر وضوحا، وان يكون غبار

 المعارك قد هدأ، وتمت عملية الحسم العسكري لهذا الطرف او ذاك، ولكن الحقيقة مغايرة لذلك تماما على الارض وفي كواليس السياسة العربية والدولية.

كنا ننتظر ان يقدم الينا السيد الأخضر الابراهيمي المبعوث الدولي المخضرم والخبير في النزاعات والحروب الاهلية، صورة اوضح، وملامح مخارج من الأزمة افضل من النقاط الست لسلفه كوفي عنان، وهو الذي يجيد اللغة العربية، ولكنه وفي التقرير الذي قدمه الى مجلس الامن الدولي فسّر الماء بالماء، عندما قال ‘ان الحرب في سورية تتفاقم، وان النظام الذي التقى رئيسه لعدة ساعات يزداد قناعة بان الحرب الدائرة في البلاد هي مؤامرة من الخارج’، بالنظر الى تدفق المقاتلين الاجانب الى سورية وفاق عددهم 5000 مقاتل.

فإذا كان السيد الابراهيمي لا يملك اي ‘خطـــة عمل’ في الـــوقت الراهن، وان خطة عنان تبــقى ‘افضـــل سبيل’ فلمــاذا قبل هذه المهمة، ولماذا افشلت القوى المتصارعة على الارض السورية مهمة الاخير؟

اسئلة كثيرة محيّرة، وما هو اكثر حيرة منها هو اجتماع المعارضة الداخلية في قلب مدينة دمشق بحضور سفراء روسيا والصين وايران والجزائر، واصدار بيان ختامي ليس بإطاحة الرئيس بشار الاسد بل تفكيك النظام السوري،مما يضمن بناء الدولة الديمقراطية المدنية والتأكيد على نبذ الطائفية، وكل ما من شأنه تقسيم المجتمع على اسس ما دون الوطنية، مع التأكيد في الوقت نفسه على النضال السلمي كاستراتيجية ناجعة لتحقيق اهداف الثورة.

كلام جريء وشجاع، لانه يقال من داخل عرين الاسد، ولكن ما هو محيّر اقدام المخابرات الجوية السورية على اعتقال السيد عبد العزيز الخير واثنين من زملائه اعضاء هيئة التنسيق نفسها، بعد وصولهم من بكين مباشرة التي زاروها بدعوة من القيادة الصينية.

‘ ‘ ‘

الدكتور هيثم منّاع احد ابرز قادة هيئة التنسيق هو الذي اتهم المخابرات الجوية باعتقال زملائه، وطالب بالافراج عنهم فورا، وهو ما لم يحدث حتى كتابة هذه السطور، وقد لا يحدث قريبا حسب تجارب سابقة تحفل بها ملفات المعتقلين في اقبية المخابرات السورية.

السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو: اذا كانت السلطات السورية تتحمل عقد مثل هذا المؤتمر للمعارضة الداخلية الذي يطالب بسقوط كل رموزها، بمن في ذلك الرئيس، فلماذا تعتقل السيد الخير وزملاءه، وهم الذين زاروا دولة حليفة لهم، ولم يزوروا واشنطن او باريس او الدوحة او الرياض؟ ثم ماذا يمكن ان يطالب هؤلاء القيادة الصينية اكثر مما قاله زملاؤهم في المؤتمر حتى يتعرضوا للاعتقال؟

ألغاز ولوغاريتمات كثيرة صعبة التفسير تزداد صعوبة مع استمرار الأزمة السورية، وتواصلها شهرا بعد شهر، في ظل ارتفاع مرعب لأعداد القتلى واللاجئين في الداخل والخارج.

المجلس الوطني السوري الذي كان ملء السمع والبصر في فترته الغليونية الاولى، تراجعت مكانته كثيرا لصالح القيادات الميدانية للجيش السوري الحر، وباتت مسألة التمثيل السياسي للمعارضة تمرّ بمرحلة تنطوي على الكثير من الضبابية. فأين الحكومات الانتقالية، واين المؤتمرات التوحيدية، واللقاءات مع المسؤولين العرب والاجانب؟

ما يؤلمنا هو ما يلحق بالشعب السوري من عذابات في ظل عمليات القتل والدمار التي تتعرض لها بلاده، والتنكر العربي والدولي له في ظل استمرار النظام في حلوله الامنية الدموية وعسكرة انتفاضته، وتدفق المقاتلين العرب والاجانب.

السيد الابراهيمي قال لأحد اصدقائه انه اصيب بصدمة مما شاهده في مخيم الزعتري في الاردن، حيث يقيم حوالى خمسين الف لاجئ سوري في ظروف معيشية لا تليق بالحيوان، وانا انقل وصفه حرفيا.

هذا الشعب الكريم الذي لم يقم مخيما واحدا لمليون لاجئ عراقي تدفقوا عبر حدوده، ومن قبلهم 200 الف لبناني اثناء الاجتياح الاسرائيلي لجنوب لبنان في حرب تموز عام 2006، وقبلهم مئات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين، هذا الشعب تقفل الحدود في وجهه ويواجه بنكران الجميل، بل محاولة استغلال بناته بشكل بشع من قبل بعض المهووسين جنسيا من بعض الذين يدعون حمايته ومساعدته في محنته طلبا للتغيير الديمقراطي المشروع.

‘ ‘ ‘

السوريون فتحوا قلوبهم قبل بيوتهم لكل اللاجئين العرب، واستوعبوا ابناءهم في مدارسهم، وعالجوهم في مستشفياتهم على قدم المساواة مع ابنائهم، واقتسموا معهم لقمة الخبز، يواجهون الآن بنكران الجميل وغلق الحدود، ويتعرضون لابتزاز السماسرة السياسيين قبل منتهزي الفرص وتجّار الحروب.

لم تعد المسألة توجيه اللوم الى هذا الطرف او ذاك. وقبل ان توجه الينا الحراب المسمومة الجاهزة، نقول بأعلى صوت ان النظام هو المسؤول الاكبر، ولكن المهم الآن هو البحث عن طريقة لإنقاذ هذا الشعب، وانقاذ هذا البلد من الدمار، فهذا يتقدم على كل المزايدات وتبادل الاتهامات.

تسألون ما هو الحل؟ اجيب: اذا كانت الامم المتحدة وقبلها الجامعة العربية، والولايات المتحدة فيما بينهما، وفوق كل هذا وذاك تركيا، عجزت جميعا عن ايجاد الحلول فهل نستطيعها نحن؟

ما يمكن ان نقوله ان الشعب السوري هو الذي يدفع الثمن من دمه وأمنه ووطنه، والكاسب الاكبر هم تجّار الحروب، والذين يقفون خلفهم ويريدون تمزيق هذا البلد وتدمير جيشه، وكسر كرامته، لمصلحة اعداء هذه الأمة.. وما اكثرهم.

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.