تداعيات بغل ليلة رأس السنة !

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2013-01-01
2758
تداعيات بغل ليلة رأس السنة !
بسام الياسين

جلس الموظف عبد النور في زاوية مظلمة من بيته المستأجر،مستغرقاً في التفكير بحياته المأزومة ،منذ ولادته العسيرة حتى هذه اللحظة المنكودة.ففي ذروة احتفالات العالم برأس السنة،قام المالك بتهديده بالطرد.إجتاحه ألم لايوصف،الناس ينعمون الليلة بالدفء في بيوتهم بجانب المواقد،وتقشير الكستناء،وإحتساء مالذ من الشراب، فيماعليه ان يخلي بيته،ويهيم مع اسرته في الشوارع الباردة الممطرة،بحثاً عن مكان يلوذون به.
*** تسآءل بحزن: 'ألم يقل سيدنا المسيح رسول المحبة والسلام في مثل هذه الليلة : 'ابشركم بفرح عظيم ' فاين هو الفرح؟!.هاهي سعادتي تنكمش،و احلامي تتضآءل عاما بعد عام!!.وهاانذا اشعرانني اتبخر وانكمش كالبحر الميت الذي يزداد موتاً على موت، لشح الامطار،واقامة السدود على الانهار التي تغذيه،تماماً كراتبي الذي يتآكل بالتضخم و يتبخر بأرتفاع درجات الغلاء.يارب هل انا كائن حي ام انا 'الميت الحي'؟!. ... الحق اقول:' انا الذبيح الذي ينتظر السلخ'...لاقامة حفلة حفلة شواء عليه على مجمرة الحكومة ليسعد بها المترفون من النخبة الفاسدة؟!. لكن مايخفف وجع العامة المهروسة،ان جمراً يتقد تحت الرماد،وبراكين خامدة ستثور في الصدور.


*** أحس ابو النور برجفة باطرافه،وبرودة تسلل الى روحه للاوضاع السائدة.فمجتمعنا يعيش أزمة خانقة،وقيمنا النبيلة تتراجع للزاوية الضيقة امام هجمة الظواهر السلبية،بينما قطار الاصلاح يسير ببطء في نفق ضيق طويل، يضيق في نهايته حتى كاد ان يخنق كل من فيه لشدة عتمته،وفساد هوائه،و تعطل عجلاته.المفارقة المضحكة، ان كل شيء معطل في حياتنا السياسية،رغم حاويات الثرثرة التي يملأها المسؤولون صباح مساء. اما مشكلتنا الكبرى فإنها ابتداءً تكمن في النهج الخاطىء. بادىء ذي بدء، علينا تغيير شامل للنهج المتبع في ميادين السياسة والاقتصاد والاجتماع،وخلع القديم من جذوره، لان بقاءه على قدمه من دون تحديث سيتعفن.ذلك قانون كوني،وسُنةٌ ازلية لايمكن العبث فيها او التحايل عليها.

*** رفع ابو النور طاقية الصوف التي يعتمرها في هذا الطقس الكانوني البارد.هرش راسة ،فتساقطت بلورات القشرة على السجادة الكالحة وانتشرت فوقها كالبرغل.بعد ان انتهى من عملية الهرش،تمتم وهو يزم شفتيه: الهرش لايحل المشكلة،فالرأس بحاجة الى حلاقة،يعقبها غسيل كامل للتخلص من العوالق العالقة فيه.كل المؤشرات لا تبشر بخير،عجز متنامٍ،وإستعصاء مزمن،وتفاقم متزايد في كل القطاعات،المؤسسات،الوزارات،القطاع الخاص،الشارع،الاحزاب،الانتخابات،البلديات،ازمة داخلية طاحنة،يقابلها ازمة خارجية متفاقمة ومستقبل غامض يلف الجميع.
*** تسآءل ابو النور بقرف :مَنْ اوصلنا لهذه النقطة الحرجة؟!. مشكلات بلا حلول تكبل حركتنا،كاننا مسجونون في سجن القلعة،والقلعة لا يمكن ان تقتحم إلا من داخلها. لكن السؤال الرنان : كيف السبيل إلى العنوان، للخروج من عتمة القلعة الى فضاءات الحرية،والخلاص من كوابيسنا المزمنة؟!. الم يقل السيد المسيح ايضاً 'من الظلمة يولد النور'؟. تنهد من قاع صدره،ثم اردف:الى متى تظل 'حيطاننا واطية' واسوار قصورهم عالية؟!. لاخيار امامنا الا ان نرفع حيطاننا او نتسلق اسوارهم،لفتح بوابة الامل والتحدي ؟!.

*** سحابة داكنة تخيم على الوطن،فيما صخرة ثقيلة تضغط على صدر'ابو النور'. اللعنة.. اللعنة ،سيل من الكذب الجارف يداهم البلاد،وشعارات نيابية مشنوقة على اليافطات تغطي سماء المملكة.حينذاك، توّلد لديه إحساس انه 'بغل بشري' يمتلك طاقة غير عادية على الصبر وقوة الإحتمال،من هذا الوضع الكابوس الذي لايحتمل. فالبغل حيوان مستولد من زواج حمار بفرس.وحكمة الله شاءت ان يضع فيه صبر الحمار،و شكيمة الفرس لانه يعرف مآلاته قبل ولادته ،وظروف حياته الصعبة التي لايستطيع احتمالها الا 'بغل'.اللافت فيه رغم الانحطاط الذي يعيشه ،مازال يكابر بأن خاله حصان،لخلق نقطة توازن له تمنعه من السقوط .

*** فرت من عينه دمعة عزيزة، بعد ان إستعرض حياته المليئة بالحفر والمطبات والإنزلاقات الحادة.تذكر كيف عاش موبقات النخبة الفاسدة وتعايش معها بباسلة وشجاعة يُؤْجَرُ عليها عند الله الواحد الاحد،العالم باسرار النخبة،الذين عرفهم عن كثب،وكيف ان واحدهم لايتوانى عن احراق غابة ليشعل سيجارة. أشعل ابو النور سيجارة وطنية رديئة بعصبية،و اخذ يشفطها بنهم،وفيما هو ينفث الدخان،وقعت عينيه على شهادته المعلقة في الصالون .فألقى بالسيجارة أرضا وهرسها بحذائه .تنهد قائلا: آآآآآه يا عبد النور، أحلامك الجامعية كانت معلقة فوق السحاب ،ثم إنحدرت لموظف محنط في وزارة خدمية،واجبك اليومي دمغ الاوراق والتوقيع عليها،لدرجة ان يدك صارت تشبه الى حد بعيد خاتماً مطاطياً،لاينقصها الا التحبير،ورجعت سيرتك الاولى كالانسان البدائي/الانسان الاول جُلّ اهتمامه مطاردة الطرائد لتأمين قوته اليومي.

*** إستقيظ من لجة أفكاره السوداء على صوت قرع قوي،وجلبة على الباب.نهض ليستعلم الأمر. فوجئ بمرشح نيابي يرافقة حشد من موآزيه، دعاهم للدخول.جلس المرشح في صدر الغرفة،وتكدس الباقي كيفما إتفق. فأضطر أبو النور مرغماً للجلوس في العتبة كـ 'حفاية مقطوعة خرجت من الخدمة'.بعد وصلة من المجاملات،والثناء والثناء المضاد،استأذنه المرشح بالحديث عن برنامجه الإنتخابي المتمحور حول تعميم الرخاء الإقتصادي / مجانية التعليم الجامعي / توسيع مظلة التأمين الصحي / صرف نصف راتب شهري لكل عاطل عن العمل / تقديم وجبات طعام متكاملة لطلاب المدارس الأقل حظاً / اعادة الاعتبار 'للتعريفة'ونفخ الحياة فيها.ثم ركز على استرداد هيبة الدولة،ومكانة المجلس التي اعادها عدة مرات.

*** إعتدل المرشح في جلسته،وراح يحدق بنظره في وجه ابي النور فاحصاً تعابير ملامحه،بعد حديثه المتشعب في السياسة والاقتصاد والاجتماع.اكتشف ان تعابيره محايده بل جامدة،فاحس بانه لم يحصد من الجلسة سوى الخيبة،اذ ان ابا النور ساهم في عالم آخر،وكأنه لم يأخذ حديثه على محمل الجد.

*** قائد الحملة الجالس الى جوار المرشح،ادرك الامر فهمس باذنه بضع كلمات لعله يستثير ابا النور،ضرب على اثرها المرشح جبهته براحته يده،موحياً انه نسي القضية / الشغل الشاغل للشارع الاردني،فقال مستدركاً،نعم...نعم ،الفساد تلك الآفة المزمنة التي احرقت غلال التنمية،ودمرت زهوراحلامنا،وحطمت ميزانيتنا وقادتنا لكارثة محققة.عهداً اقطعه على نفسي انني سأُنكل بالفاسدين،كما نكّلَ هتلر باليهود،وساشويهم بافران الغاز كالجردان لاشفي صدور الاردنيين.ظن المرشح ان هذه الفقرة القنبلة ستهز ابو النور،وتجعله يخرج عن صمته، للمشاركة في الحديث،الا انها لم تحرك فيه شعره رغم رغبته الجارفة بهرش شعر رأسه بقوة،لكنه خجل من الحضور.

*** واصل المرشح علك احاديثه بيسر كمطحنة شرايط حين صرف الوعود المجانية ،و بصعوبة بالغة مثل كسارة حجار هرمة في القضايا الشائكة. في هذه الاثناء شعر المرشح برغبة في سيجارة حتى يعدل مزاجه.أستل علبة السجائر المستوردة من جيب معطفه الكشميري الثمين.تملل قليلا قبل ان يشعلها بقداحة مطلية باللون الذهبي، نظر الى العتبة حيث يقبع المُضيف،موجهاً له نداءً بلهجة ودودة:'مافي كباية شاي ياابوالنور' .
*** رد عليه ابو النور المنكمش على ذاته من شدة برد العتبة الملاصقة للباب:نعم ياسيدي،إنك تستحق اكثر من كباية شاي على برنامجك المذهل،لكن اسطوانة الغاز نفذت اليوم،وميزانيتي الشهرية لاتسمح لي بشراء اخرى قبل موعدها المدون في برنامجي العائلي،لكنني اعاهدك امام الشباب كما عاهدتني 'ان تشوي الفاسدين في افران الغاز'،ان أُقيم لك حفلة شواء على 'غازاتك النفاذة'شرط ان تحضر الافران الهتلرية التي وعدت بها....!!!

 

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :

مصطفى العوامله01-01-2013

لوحة راقية شفافةللواقع المر الذي نحيا، فلم يكن بغلا هذا الأبو النور بل كان حصانا مكبلا بقيود الفساد والإفساد المستحكم في كل جوانب المشهد الدامي الذي يجتاح الوطن من نغال الحرية المفتعلة والمنشورة على أعمدة الشوارع باليافطات الفضفاضة المساحات والخاوية التي لم تهز مضامينها ضمائر السيارة فمن كان أباه حمارا لا يضيره أن تكون أمه فرس جموح لأنها جحشت بالفساد والمحسوبية والعهر المجتمعي المستشري في كل مفاصل الوطن نحن بحاجة الى إصلاح الشعهب قبل إصلاح القيادات لان الشعب وحده هو من سيصنع التغيير في النهاية
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.