صفعة الأسد للإبراهيمي

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2013-01-08
2296
صفعة الأسد للإبراهيمي
عريب الرنتاوي

 يربط معظم المراقبين توقيت الخطاب الخامس للرئيس السوري بشار الأسد، باجتماع جنيف المقبل، بين الإبراهيمي وكل من وليام بيرنز وميخائيل بوغدانوف، وهو الاجتماع الذي كان يُعتقد بأنه سينتهي إلى “بلورة” التفاهمات الأمريكية- الروسية أو ما يُعرف اصطلاحاً بـ”جنيف 2”..ويميل معظم المراقبين للقول بأن الخطاب هدف إلى قطع الطريق على اتفاق كهذا، بعد أن شدد الأسد بصورة لا تبقي مجالاً للتأويل، على بقائه في السلطة ليس حتى العام 2014 بل ولولاية ثالثة كذلك، ومهما كان الثمن.

يقوم التفاهم الأمريكي- الروسي الذي يعمل الإبراهيمي على تظهيره، على فكرة جوهرية واحدة: حكومة انتقالية بصلاحيات كاملة، تشرف على مرحلة الانتقال السياسي لسوريا..أما الخلاف فيتعلق بموقع الأسد ومصيره الشخصي وصلاحياته الرئاسية، وما إذا كان يتعين النظر إليه كطرفٍ في “الانتقال” أم مقدمةً وشرطاً مسبقاً له..وكان الرهان معقوداً على تخطي مشكلة “التنحي” بالتوافق على حكومة كاملة الصلاحيات، فتبقى الرئاسة شكلية حتى العام 2014، على ألا يترشح الأسد لولاية جديدة.

جاء الأسد ليقول أن لديه طريقاً آخر..لا مكان فيه للتنحي أو لتفويض الصلاحيات، ولا “مطرح” فيها لتعهدات بعدم خوض الانتخابات الرئاسية المقبلة..وهو في عرضه لملامح “خطته السياسية”، وضع الحكومة في مكانة متدنية ومتأخرة في عملية الانتقال..فالحكومة القائمة حالياً، حكومة الأسد، هي التي ستبدأ مشوار “الانتقال”، أما الحكومة المقبلة، الموسعة كما وصفها، فوظيفتها ترجمة نتائج الحوار الوطني الذي ستشرف حكومة الرئيس على إدارته وضبط نتائجه ورسم سقوفه وتقرير من سيشارك فيه ومن سيحظر عليه المشاركة.

بهذا المعنى، يبدو أن الأخضر الإبراهيمي قد تلقى بخطاب الأسد، صفعة قوية..ومهمته اليوم لم تعد تنحصر في إعادة ترتيب مراحل الحل كما رسمها الأسد، بل في العودة إلى “المربع الأول” من جديد: إقناع النظام بأنه جزء من المشكلة، وإن لم يكن المشكلة كلها، وأنه لكي يكون جزءا من الحل، عليه أن يعترف بالمعارضة أولاً، وبأنها جزء من المشكلة (وليس المشكلة كلها كذلك) ثانياً، وترويضه للقبول بالمعارضة كجزء من الحل ثالثاً.

على الإبراهيمي أن يجهد في إقناع الأسد (المنفصل على ما يبدو عن الواقع كما يقول كثيرون)، بأنه ليس في موقع المنتصر، ليملي شروطه على الجميع، داخل سوريا وخارجها..صحيح أنه لم يُهزم بعد، وأن الحرب ما زالت طويلة ومفتوحة النهايات..لكنه ليس في وضع يقرر فيه متى يبدأ الحل السياسي وكيف وبمن، وأن زمن الاملاءات قد ولّى، وأن طريق سوريا للخروج من مأزقها يبدأ فقط مع بدء تحقق “التوافق الوطني” وبين مختلف المكونات والتيارات، باستثناء من تورط بالدم السوري من الرأس حتى أخمص القدمين، وهذا ينطبق على النظام وعلى المعارضة على حد سواء.

ليس لدى الإبراهيمي العصا السحرية التي سيرميها على بلاط قصر المهاجرين، لتصبح أفعى..ورهان الرجل معقودٌ اليوم على ما يمكن أن تأتي به محادثاته مع بيرنز وبوغدانوف..موسكو بيدها أن تثني ذراع الرئيس، وواشنطن برهنت أنها قادرة على استتباع المواقف الخليجية والتركية وإعادة صياغتها من جديد (هل تذكرون تجربة المجلس الوطني والائتلاف الجديد)..لكن الأمر المؤسف أن شروط بناء التوافق الأمريكي الروسي لم تنضج بعد، والأرجح أن اجتماع جنيف القادم، لن يحقق مأربه هذا.

خطاب الأسد، وردود الفعل الدولية الغاضبة عليه، برهنا من جديد أن شروط الصفقة الكبرى في سوريا وحولها، لم تكتمل بعد، والأرجح أننا سنكون أمام موجة جديدة وضارية من المواجهات الدامية في مختلف الأرجاء السورية، وبالأخص في دمشق وحولها..فالذي دفع الأسد للاعتراف بوجود الأزمة وانفلات الأمن ودخول بلاده في “حالة حرب”..والذي دفعه للبوح بأن كل ما زعمته سلطات بلاده من تقدم على دروب الإصلاح، ليس إصلاحاً مقنعاً لأحد، بدليل حديثه عن “ميثاق وطني” و”دستور جديد” وقوانين انتخاب وأحزاب جديدة، يؤكد بالملوس أن كل ما تقدم، لم يكن سوى جرعة تخديرية زائفة، لم تقنع أصحابها، فما بالك بمعارضيهم…الذي دفعه لكل هذا وذاك، هو التبدل الكبير في موازين القوى على الأرض بين النظام والمعارضات.

الأسد يراهن على صمود نظامه، ويبني على بعض المؤشرات التي تشف عن ضيق المجتمع الدولي باستمرار الأزمة السورية، وعجزه عن توفير الحل..فيما بعض المراكز الإقليمية والدولية، تراهن على تراخي معنويات الأسد، وتراجع قبضة نظامه، وحالة الانهاك التي تعيشها قواته، لتسجيل اختراق على خطوط القتال حول العاصمة.

يبدو أن معظم الأطراف باتت مقتنعة بتعذر الحسم، وتبحث عن تحسين شروط التسوية على الأرض، قبل الانتقال إلى غرف الدبلوماسية وموائدها..وسيتعين على السوريين دفن المزيد من أبنائهم وبناتهم في الطريق إلى “الصفقة الكبرى”.

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.