لكي تستقيم ديمقراطيتنا المعوجة !

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2013-02-26
1520
لكي تستقيم ديمقراطيتنا المعوجة !
بسام الياسين

 هل غادرتنا الديمقراطية لان وزارة "الداخلية" لم تمنحها حق الاقامة بيننا، ام انها ضاقت بالتعايش معنا، لان النخبة النفعية الانتهازية ضيّقت عليها الخناق؟!. في كلا الحالتين،فإن المشهد الديمقراطي عندنا مزرٍ حد الفاجعة، حتى لم يعد هناك موطئ قدمٍ لغراب ليُشنفّ آذاننا بوصلة نعيق على ما نحن فيه من خراب.المواطن الحالم بمستقبل واعد،غسل يديه من الديمقراطية واخواتها،لان النخبة التي ادمنت الدجل والتدجيل، تلاعبت بشجرة عائلتها، وجردتها من ورقة التوت،وبلغت بها الاستهتار،و الاستخاف بنا انها لم تسترعورتها بورقة زيتون ذابلة،ثم راحت تبيعنا مصطلحات ملعوب فيها هي الاخرى،خاصة بعد ارتباك مسرحية "الحكومة البرلمانية"،اذ ان شباك تذاكرها ظل خاوياً.ولن نجانب الحقيقة اذا قلنا ان المسرحية جوفاء كالبالون المنفوخ رغم اسمها الرنان 
*** سابقة غير مسبوقة طرحها جهابذة الفكر السياسي،لاختيار "رئيس الوزراء المنتظر" وكأنه المهدي زمانه ـ دام ظله ـ الذي سيشلع الظلم من البلاد، ويزرع العدل بين العباد. فاكتشفت العامة من دون عناء،ان طريقة التشاور مع الكتل البرلمانية "اختراع نخبوي" للتحايل على انتخاب رئيس الوزراء عبر صنايق الاقتراع، اسوةً بانتخاب رئيس بلدية في بلدة نائية بالكاد تظهر ملامحها على الخارطة.هذه اللعبة الالتفافية، عجيبة تضاف الى عجائبنا الاردنية : البترا، البحر الميت،الدوائر الوهمية، القوائم الوطنية، الحكومة البرلمانية. 

*** في البرلمان السابع عشر،حقائق صلبة لا تُخفى على اعمى،ولا تمر على أُمي.ومن سوء طالع النخبة ان الامية معدومة اردنياً، فيما عيون الاردنيين مفتوحة على مدار الساعة. البرلمان ذو القوائم، يفتقر لكتل متماسكة ذات برامج سياسية.ويعاني من قحط في الشخصيات الكارزمية الجاذبة للنواب،اما الاصطفافات القائمة، اصطفافات آنية مؤقتة قائمة على المعرفة والمنفعة،وحراك الكتل النيابية، اشبه بفرقعة حبات البوشار داخل طنجرة ضغط عالٍ ليس لها أي اثر خارج "الطنجرة"

"القبة". 
*** مايزيد مسرحية الحكومة البرلمانية إسفافا،غياب الاحزاب بالمطلق عن هذا البرلمان،وغياب النواب المُسيسون عن الكتل، باستثناءات قليلة لم تضف أي نكهة سياسية يمكن ان يتذوقها المتعامل مع برلمان عشائري،قريب في تشكيلتة من "الليوجيركا الافغاني"القبلي. مقاطعة الاخوان المسلمون،والسقوط المدوي لحشد/علبه ورفاقها،ونجاح عبد الهادي المجالي بطعم الهزيمة عن التيار الوطني،وفوز الوسط الاسلامي بثلاثة مقاعد نجاح مبتور لان الوسط الاسلامي بلا ارضية على الارض، دليلنا فشل الدكتور محمد الحاج في رئاسة المجلس بالرغم من جرعات "الآلو" العالية للنواب.حقائق دامغة تدحض قيام حكومة برلمانية حقيقية، لان ركائزها الاساسية غائبة ."فلا يجهلن احدٌ علينا / فنجهل فوق جهل الجاهيلينا". اما اذا قامت قيامة حكومة برلمانية من بين هذا الخراب،فانها توليفة،قصيرة المدى، قابلة للعطب. 
*** ما يزيد المشهد قتامة،ان "نواب الغفلة" الذين جاؤوا على ظهر قانون اعرج اعوج،وتحت مظلة انتخابات باهتة رفض نصف الشعب الوقوف تحتها،وغابت عنها الشخصيات السياسية والرموز القيادية والقوى الحزبية والحراكات الشبابية والاندية الثقافية،فقد جاءت النتيجة مطابقة لـ "قانون كريشام" القائل بان "النقود الرديئة تطرد النقود الجيدة من السوق".مايثبت قولنا ان نواب الصدفة،بدأوا معركة الاستيزار،قبل معرفتهم دهاليز المجلس. 
*** تزداد لعبة الاستشارةِ إثارةً باختيار الطراونة "فايز" مستشاراً لاختيار الرئيس.هنا تكمن المفارقة الفارقة. الطروانة ابتداءً لم يفلح هو ذاته في الرئاسة،وكاد ان يقود البلاد للتهلكة لولا هبة الجماهير ضده،وحكمة القيادة بالتعجيل باعفائه، حيث اخفق "ابو زيد " منذ إنطلاقته الاولى كلاعب سياسي، فكيف سينجح اذاً باختيار الرئيس،هذه الحالة الشاذة تذكرنا بحالة اللاعب الذي خسر المنتخب الوطني البطولة بسب لعبه الرديء و اخطائه المتكررة، ثم كُوفىء بترقيته لقيادة المنتخب في دوري كأس الكؤوس؟!.الا يستحق هذا المشهد السوريالي في مسرحية اللامعقول البرلمانية فتح" سرادق لطمية" لممارسة طقوس البكاء وضرب الوجوه،في لطمية اردنية، تفوق لطمية عاشوراء الشيعية، لما آلت اليه احوالنا ؟!. 
*** الحقيقة الدامغة، تؤكد بان لا الطراونة ولا النواب يملكون من امرهم شيئاً.فالقصة برمتها تشبه تماماً سؤال الفتاة القاصر عن رأيها بالعريس،فيما الواقع يؤكد ان "ولي الامر"قد قرأ الفاتحة، ووقع العقد وقبض المهر قبل استمزاج رأيها،ولم يبق سوى اعلان موعد الزفة. الملك دستوريا هو صاحب القرار،وكل ما يجري مجرد مروحة من مشاوات لرفع العتب،كانت نتائجها المنطقية كما يقول المناطقة، رد حق الاختيار لصاحبه، كما فعلت بعض الكتل،في حين كان النائب الملكاوي اكثر تقدمية بإستمزاج قاعدته عن طريق الاستفتاء على بورصة الاسماء المطروحة عبر "الفيس بوك".طريقة عصرية نجزم انها متقدمة على المشاورات التي تذكرنا بـ "شاوروهن وخالفوهن". 
*** بورصة الاسماء المطروحة لمنصب الرئيس مرفوضة باجماع شعبي ،لايمان الشعب الاردني عن بكرة ابيه، ان النخبة اصبحت خارج الزمن اذ انها ركبت على اكتاف ثلاثة اجيال متعاقبة،ولم تقدم شيئاً لانها نخبة اذعانية امتثالية لم تتجاوز التلقي "حاضر سيدي"،وينعدم لديها الخيال الابداعي السياسي الخلاق او الشجاعة في طرح المبادرات.لذلك فان شعار يسقط الرئيس مازال معلقا على الشفاه في حال عودة احدٌ من هذه الجوقة المرفوضة شكلا وموضوعاً. 
*** من نافلة القول: القول بان الشعب الاردني العظيم يريد التغيير لانه يريده منذ بدء البدء،فالوطن يعج بالشخصيات السياسية الوطنية المطلوبة شعبياً. اما "الجراب المهترىء" بما فيه من تحف اثرية وشخصيات بالية، و"العلبة القديمة" بما تحمله من اسماء قديمة ضربها الصدأ،اصبحت كالحطب المبلول لا يُرجى منها دفئاً،ودخانها يعمي.لذلك صار الاجدر بالدولة اذا ارادت الحفاظ على "العلبة" التذكارية،ان تقوم بتحويل شخوصها للمتحف الوطني كاي انتيكة ذات قيمة اثرية ،اوان تعطيهم فرصة الاشراف على مطاعم "كان يا ماكان" ، "كان زمان" ، "علي بابا و الاربعين حرامي"،لان هذه الطريقة ارحم بهم،و اكرم لهم من التخلص منهم على طريقة "خيل الانجليز" الهرمة. 
*** خلاصة الخلاصة وزبدة القول:ان مركب الحكومة المطاطي لايستطيع مقاومة الامواج الشعبية العاتية،ومعاندة رياحه الشديدة .فالمقاومة والمعاندة في هذا المقام تحديداً هي مقامرة ومغامرة لاتقوى الدولة على احتمالها.ولكي تستقيم ديمقراطيتنا الاردنية المعوجة،والقضاء على هذه "الجائحة" السياسية،اصبح واجب الوجوب اختيار الرئيس عن طريق صناديق الاقتراع،والبدء بالعمل على صياغة قانون انتخاب عصري بديل لقانون الصوت الواحد الذي فتت الوطن وجعل الناس شيعاً و احزابا متناحرة،شريطة اشتراك كل الاطياف الحزبية والوطنية في رسم خطوطه للتوافق عليه من خلال مؤتمر وطني عام.غير ذلك طبخة حصى لن تنضج ابدا .ما يعني الاصرار على تجويع الشعب ديمقراطياً،وهذا اعلى درجات الزندقة السياسية. 
*** يقول الله في محكم كتابه، في سورة الكهف: "الحمد لله الذي انزل على عبده الكتاب ولم يجعل به عوجا"، لكن اصحاب القرار مصرون على العوج و البقاء في كهفهم رغم الاضواء الكاشفة التي تحاصرهم ،ومازالوا على عنادهم بالتمسك بقرارهم الملتوي رغم سرعة الزمن الهائلة والتغيرات الكبيرة داخليا واقليميا ودولياً،مع معرفتهم اليقينية ان الشعب يرفض ويلفظ قانون الانتخاب الاعرج ذي الساق الخشبية الذي جاء ببرلمان هزيل غير قادر على النهوض بمهماته،كما يرفض الطريقة البدائية في تشكيل الحكومات الاردنية.ويطالب البدء بصياغة قانون انتخاب جديد فيه كل المواصفات العصرية ،والتحرر من الطرق القراقوشية التقليدية، في ادارة الدولة حتى يتسنى للمجتمع الاردني المثقف الناضج المتعلم المُسيس الارتقاء الى اعلى درجات السلم الديمقراطي من دون عوائق او  عوالق . 
*** اللغز المُحير في اللعبة البرلمانية وإشتقاقاتها: لماذا يُستجاب لرأي النخبة وهي "القلة الاقل من القليلة" بالابقاء على "ما كان"، رغم تقادم الزمان عليه؟!. ولماذا يضرب عرض الحائط برأي الاغلبية، "الكثرة الكاثرة" عند المطالبة بما يجب "ان يكون" ليتساوق مع حركة العصر،وثورة العلم؟!.. ولماذا كل هذا السعي المحموم من لدن النخبة المحنطة لاعادة حشر الشعب في زاوية ضيقة ،وإدخاله عنوة داخل قمقم الاحكام العرفيه الذي كسره في انتفاضة الخبز المباركة التي اندلعت 1989في الجنوب الاردني العظيم ،التي اتى في اعقابها بافضل مجلس نيابي في تاريخ الاردن .

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :

ابوفاشة27-02-2013

ابدعت يا أخ بسام واصبت كبد الحقيقة ولم اقرأ مثل هذا الوصف والتحليل وبارك الله بقلمك وأطال الله في عمرك
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

ابوالبراء26-02-2013

مبدع كعادتك يا ابو محمد وفقك الله واطال في عمرك ، الآية بداية سورة الكهف له بدل به .
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.