صرخة الملك التحذيرية والملكية الدستورية

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2013-04-01
1841
صرخة الملك التحذيرية والملكية الدستورية
بسام الياسين

القصة الملكية للصحفي الامريكي جولدنبرغ ،جاءت بلغة مُحكمة مجبولة بصدقية مشبعة بالمرارة، بوح نفس موجوعة في ساعة صفاء. قصة تحكي عن ملك يتألم على ما يدور، ويتفطّر حزناَ لما آلت اليه الامور من تردٍ وانحدار .

هي ليست لغة صادمة بحاجة الى فلترة، كما شخصها بعضهم باسلوب اعتمد التسطيح الاعلامي والفجاجة الفكرية والضحالة المعرفية،بل لغة واضحة لا لبس فيها غير قابلة للتأويل.لكن من اعتادوا المناورة والمداورة اكتشفوا انها غير مسبوقة في زمن اصبحت المداهنة هي الاصل والمجاهرة بالحق اسشتثناءً.

*** قرآءة متأنية لما بين السطور للقصة الاخبارية،تشعر ان الملك يمشي على جمر الاحداث الخارجية،ويعاني من سحب ثقيلة داخلية تضغط على اعصابه. وحيداً هو الا من اسناد شعبه،و اخلاص جيشه.وسط غابة من ديناصورات غلبّوا مصالحهم الشخصية على المصلحة الوطنية،ونخبة نرجسية وضعت حب ذاتها فوق وطنها،وقوى شد عكسي لم تكتف بعرقلة التطور بل امتهنت المحسوبية والواسطة واقتناص الوظائف العليا على مدار عقود.كان حصاد اعمالها جرائم اقتصادية وفضائح ادارية ولّدت مشكلات اجتماعية لاحصر لها،مما دفع رئيس دائرة مكافخة الفساد للتصريح :" بان الفساد اكبر مما كنا نتصور". حرمنة في وضح النهار،وتجاوز على القانون تحت مظلة القانون اقترفتها مجاميع الحرس القديم وسلالتهم،والصف الاول الذي ينوء بثقل الاوزار. هذا الرخاء الفاحش لمجموعة من العائلات والشخصيات،كان على حساب الفقراء وابناء الفلاحين والبوادي والعمال وصغار الموظفين و الكسبة؟.

*** ملك لمس حجم الخراب حوله ،فكاشف الناس لوضعهم في الصورة بلا تكبير ولا تصغير.ابتدأ منتقداً الحلقة الضيقة منه،انتقاداً ليس جديداً ،فقد وجه رسالة شديدة اللهجة قبل سنوات عبر وسائل الاعلام في بداية تسلمه سلطاته الدستورية طالباً من الامراء الانضباط في التعامل مع الآخرين. ثم وجه اكثر من رسالة للحلقة الاضيق ـ الدوائر الامنية ـ . ولا يخفى على احد فظائع بعض مدراء المخابرات التي زلزلت القناعة بالمسؤولين الكبار لما شابها من لصوصية وعار،فيما جرائم تزوير الانتخابات النيابية التي اقترفوها، قصمت ظهر الديمقراطية ولوثت سمعة البلد.من هنا جاء حديثه تعبيراً عميقاً عن وجعه بعد ان فاض به الكيل،واصبح الوضع القائم غير قابل للاحتمال و لايحتمل السكوت عليه..

*** التحليلات الساذجة،وافتراض سوء النية بالصحفي جولدنبرغ و صحيفتة " اتلانتيك"، وكيل الشتائم للصحيفة والصحافي فيه تجاوز للخطوط الاخلاقية والمهنية،واختبار فرسان الكلام جيادهم العرجاء في مضمار الديوان الملكي أدى للوقوع في خطأ مميت من اجل إصلاح خطأ غير موجود. عودة بالذاكرة للزيارة الملكية لمستشفى البشير قبل سنوات حين وجد المصعد الرئيس لهذا المرفق الحيوي معطلا،فطلب اصلاحه، ثم عاد بعد ستة اشهر فوجده على حاله.هذه الحالة ليست بحاجة الى ميزانية و لاعبقرية لاصلاح العطل وعلاج الخلل، انما دليل على اعلى درجات الاهمال الاداري في مرفق يفترض ان يعالج القائمون عليه العلل المزمنة و الافات المستعصية .و عندما زار الملك الجامعة الاردنية، قام بتشجيع الطلبة على الانخراط بالعمل السياسي ووعدهم ان لا يتعرض لهم احد. فكانت النتيجة زيادة التضييق عليهم،وكأن العمل السياسي رجس من عمل الشيطان. ثم الم يشتكِ الملك من الوزارت لتلكؤها تنفيذ كتب التكليف،متهماً اياها بالخوف من مواجهة الفاسدين،والتردد بالاصلاح..

*** مضامين القصة الاخبارية الملكية، تشخيص عميق لامراضنا، اعتمد فيها الملك التحليل العلمي للتاشير على المرض كما التسلسل في المستشفيات المتخصصة عند التعامل مع المريض، اذ انها تبتدأ بالفحص السريري ،مروراً بالصورة الملونة ثم تحليل الدم والعينات لكي لا يكون هناك ذرة شك في السيرة المريضة للمريض.فجاءت القصة مصارحة بين ملك وشعبه في كل كلمة و نأمة ،على راسها تجريف الحرس القديم من المواقع العليا،واقتلاعه من جذوره،لانهم اضحوا راس الفساد و الافساد،و استئثارهم بالمال والسلطة،هو تجسيد عملي لمقولة "السلطة المطلقة مفسدة مطلقة".

*** الصحفي جولدنبيرغ قال في قصته الاخبارية : "ان الملك يرغب بتحقيق الاصلاح ،والتخلي عن بعض سلطاته،لكن للاطراف الصحيحة لاعتقاده الجازم " ان الملكيات مصيرها الى زوال". مضيفاً ان الملك ظل يكرر رغبته في تقليص صلاحياته،و تعزير قوة البرلمان، كما لمّح اكثر من مرة الى ان ولي العهد الامير حسين سيحكم البلاد بطريقة مختلفة،بمعنى ان المملكة ستكون ملكية دستورية على غرار الملكيات الاوروبية . فجاءت القصة الاخبارية لحظة تاريخية استثنائية يجب التاسيس عليها والمراكمة فوقها.

*** الملك رمز الوحدة الوطنية،ضامن للدستور،صمام الامان، حينما تحدث للصحيفة الامريكية لم يعتمد اللغة التنظيرية،والمنطق التبريري، بل فتح العدسة على اتساعها لالتقاط دقائق الواقع، لادراكه ان البوصلة الاردنية تتخبط في اتجاهاتها،والمطبخ السياسي الاردني لم يقدم وجبة مستساغة للشعب الاردني، بل عجز عن طبخ "وجبة صغيرة" ترضي الذوق العام. بمعنى ادق ان مشكلات الوطن مازالت تتفاقم باضطراد لافت،والفشل اجتاح كل الميادين بلا استثناء .

*** امثلة عابرة اسردها. اليوم تدور على مقربة مني معركة حامية الوطيس في احدى الجامعات،هي امتداد لمشاجرة عشائرية في جامعة اخرى.اليست هذه السلوكيات تدل على ردة الى ما قبل الدولة،وتشي الى ما وصلنا اليه من انحدار تربوي وعلمي في آن واحد. رغم توالد الجامعات و الآف الدكاترة من حملة شهادات التربية وعلم الاجتماع والشريعة الاسلامية والارشاد النفسي. الاسوأ ان كرة مطاطية تُقسّم العرب عربين وتكاد تشعل حربا ضروساً في وطن كنا نتباهى انه اسرة واحدة،كما شاهدنا جميعاً ان احالة مسؤول على التقاعد تقوم الدنيا ولا تقعد تكريماً لشاربه،وتغلق لاجله الطرق وتشتعل الاطارات، وكانه مسمار سنمار في البناء الاردني سينهار الوطن اذا خرج من وظيفته. الم يساور الالم كل الغيارى والنشامى ،وهم يشاهدون عبر الفضائيات العربية و الاجنبية حرق البقية الباقية من غاباتنا لان احدهم لم يحالفه الحظ بالفوز،و إستقواء بعض الفاسدين بالعشيرة للهرب من العقاب،وتلافياً لذلك اعلنت احدى العشائر الكريمة عن استعدادها لتسليم أي واحد من ابنائها ان ثبت تورطه بالفساد .

*** مقابل ذلك لا ينكر الا جاحد مساهمة عشائرنا الكريمة في بناء الدولة وحمايتها،و تقديمها اجمل رجالاتها على مذبح الحرية والنضال للدفاع عن القيم النبيلة و ارساء الديمقراطية ورفع الاحكام العرفية،ولم تبخل بتقديم الشهداء على ارض فلسطين التي مازالت دماؤهم تنبت دحنونا احمر بلون الدم،وقبورهم تطلق بخوراً زكياً.

*** اما اطلاق وصف ديناصور على بعض المتنفذين،وصف لا ينطوي على اساءة بل يندرج تحت باب النقد البناء. فالديناصور مخلوق بطيء الحركة،يلتهم كل ما حوله نظرا لضخامته وله قدرة عجيبة على إلتقام الوطن في لقمة واحدة. لهذا فهو عائق ومُعَوِقْ،و لاجل هذا انتفضت العشائر على ديناصوراتها وطلع من بينها من نفخر به،بل نفاخر الدنيا به علما وثقافة و اخلاقا ووطنية في حين منطق الحياة يقول : ان الديناصورات الى انقراض ؟.

*** الانتفاضة جاءت بعد ان حازت الاجيال الشابة من ابناء العشائر المتميزيين على اعلى الشهادات في الطب والهندسة والعلوم السياسية والعسكرية والاقتصاد و الاداب وغيرها من ارقى الجامعات الاوروبية حتى انك تلحظ في البيت الواحد اكثر من شهادة دكتوراة.فهل يقبل عاقل ان يتعلق هؤلاء باذيال عباءة الديناصور ام ان الديناصور هو من يجب ان يتعلق بهم،ويستفيد من علمهم، و ياخذ برايهم ،ويطلب ودهم.

*** عود على بدء فان ما قام به عدد من جنرالات المخابرات كفيل بهز سمعة الـ C.I.A على عظمتها ،ولا ينكر تدخلاتهم الا كاذب ومتملق بالانتخابات النيابية والبلدية والجامعية والتعيينات و الاحالات على التقاعد وتلميع البعض وحجب الضوء عن البعض.هذه الوقائع ليست اسراراً بل حديث مجالس نيابية وصحافة وشارع بكل تلاوينه .وهو ليست جديدة لكل متابع للشأن العام.اما اعطاء المخابرات العصمة فهذا النفاق بعينه،لسبب بسيط ان العصمة لا تكون الا لنبي مرسل من السماء ،اما ان كان بيننا من يعتقد بالجنرال المعصوم كالامام المعصوم على الطريقة الشيعية فهو امر مرفوض جملة وتفصيلا .ثم جاءت شهادة عون الخصاونة الابلغ و الاشد توثيقاً يوم اعلن ان في الاردن ثلاث وزارت ،واحدة في الديوان، والثانية بالمخابرات، والثالثة وهي الاضعف في الدوار الرابع .

*** قصة الملك نزلت كالصاعقة على رؤوس القلة القليلة، الا انها نزلت برداً وسلاماً على قلوب الاكثرية المطلقة.فهي تصوير دقيق لما يعتمل في نفوس الاردنيين كافة،مع ما يرافقها من خوف وقلق على الوطن،لسان حالهم: "الله يصبّرنا على تاليها".هي اذاً لغة نابعة من القلب لتدخل قلب كل غيور لانها تؤشر على مكامن الخطأ والخلل،وتنتمي الى مدرسة العقل والمنطق ُسردت باسلوب علمي،بعيداً الفلفة الدارجة في الخطاب الرسمي.

*** ما يبعث على الحزن تلك المقالات الساذجة التي هاجمت الصحفي الامريكي،واتهمته بالكذب والفبركة ،ووضعته في صف اللوبي الصهيوني،وبعضهم اتهمه بالعمالة لقطر بسبب زيارة عابرة لها،وتارة قيامه باثارة الفتنة باختياره التوقيت غير المناسب لنشر القصة الاخبارية ، خاصة انها تأتي بالتزامن مع زيارة اوباما للاردن. الغريب ان احداً لم يدعي ان القصة مؤامرة كونية على الاردن حتى تكتمل الفزعة الاعلامية.

*** بعد عدة قرآءات هادئة للقصة الاخبارية بعقل بارد محايد،يخرج القارئ الحصيف،انها قصة محبوكة بعناية فائقة،ذات لغة مُنتقاة بحرفية شديدة، هدفها محاكمة المرحلة،وانتقادات صارخة للاخطاء والخطايا التي اقترفت بحق الوطن،كاشفةً للعامة مدى الم الملك ومعاناة المواطن لما جرى ويجري داخلياً وخارجياً،وان الصحفي له حضوره،و الا لم يحظ بمقابلة مع شخصية كالملك لها وزنها الشرق اوسطي،و نقول لخريجي مدرسة التسطيح الاعلامي : ان صحيفة عريقة ومرموقة كـ " اتلانتيك" لا ترسل صحفياً هاوياً الى منطقة ملتهبة ولا تنشر لقرائها النخبويين فبركات . البوح الملكي اتسم بالجرأة والواقعية،والمعرفة العميقة لواقعنا و اسال كثيراً من الدم الفاسد حتى ينشط الجسد الاردني من عقاله المكبل بالفاسدين والديناصورات .الاعمق من كل ماتقدم انها دعوة الى ملكية دستورية متدرجة، يكون الشعب فيها مصدر السلطات كما ورد في الدستور "نظام الحكم في الاردن نيابي ملكي" .هنا لابد من الاشارة الصريحة الى ان الاردنيين تواقون لسماع الصافرة الملكية للانطلاق نحو عملية اصلاح حقيقة،عنوانها ارادة عليا حاسمة و ادارة صارمة.

*** درءاً لاي تفسير خاطىء لهذه المقالة او تأويل يهدم النص:اصدقكم القول انني لم اطرق يوما باب السلطان،او اسعى للتقرب من أي مسؤول كان،وهذه يدي فلتقطع من الكتف ان إمتدت الى حرام او قبضت أُعطية .ما اكتبه خالصاً لوجه الله الحق العدل الديان،مجرداً عن الغرض والمصلحة،فالدنيا لا تساوي جناح بعوضة،ويا حُسن الختام. ختاماً نصيحة لكل المتورطين في هذه المهنة الشائكة:إن الكتابة لا تستقيم الا مع الصدقية و الامانة والاستقامة،سائلاً الله لي ولهم ان يطهر قلوبنا من الرياء،و اقلامنا من الكذب،و ألسنتنا من التملق والادعاء انه سميع مجيب الدعاء.

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :

ابو البراء28-03-2013

كل التقدير والاحترام للكاتب القدير / بسام الياسين )أبو محمد( الثاقب الرؤية ، أنت رجل في زمن قل فيه الرجال ، وعلم في زمن حطت به الأعلام ، أنت الغيور على مصالح الاردن وامنه واستقراره ، سلمت نجما بازغا للحق في زمن ساد فيه ديجور الجهل والجبن والضلال ، أنا أعرفك جيدا وكنت اراك في كل صباح امام مكتبة المارديني في جرش عند حضوري لشراء الصحف صباحا وأشهد بالله بأنك مثال الرجل الشريف العفيف الذي أمضى حياته مدافعا عن وطنه ولا يقول الا الحق ولا يخاف بالله لومة لائم . بارك الله فيك وادام عليك الصحة والعافية .
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

صح فمك27-03-2013

كلام جميل و فيه حكمة للي بيقراء
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.