استنزاف "الإخوان"

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2013-05-17
1414
استنزاف
محمد ابو رمان

 أغلب المؤشرات تؤكّد على أنّ هنالك تراجعاً في شعبية الإخوان المسلمين عربياً، في الدول التي وصلوا فيها إلى السلطة؛ سواء من خلال نتائج انتخابات الاتحادات الطلابية في الجامعات المصرية، أو السجالات العنيفة التي نقرؤها في الفضاءات العامة العربية. وهي القصة التي تناولها -بصورة إجمالية- تقرير مهم صدر مؤخّراً عن مجلة "الإيكونومست" بعنوان "الإخوان المسلمون: من الصعوبة أن تكون في المسؤولية" (نُشرت ترجمته في "الغد" أمس).
يجادل "الإخوان" بأنّ جزءاً كبيراً من الإخفاقات والمشكلات الراهنة إمّا ناجم عن تراكمات ثقيلة من المرحلة السابقة المتخمة بالأمراض، فهم يتعاملون مع نتائجها وإفرازاتها الكبرى، ما يحتاج إلى فترة طويلة من "الاستشفاء"؛ وإمّا أنّه ناجم عن "الثورة المضادة" من قوى وشخصيات خسرت كثيراً من التغيير الديمقراطي الراهن، وتريد "قلب الطاولة" على الجماعة، باستخدام الوسائل المشروعة وغير المشروعة.
هذه "الدعوى" الإخوانية صحيحة 100 %، ولا جدال فيها، لكنّها ليست وحدها المسؤولة عن الأوضاع الراهنة، وخيبة الأمل الكبيرة من عبور المرحلة الحالية بذكاء أكبر ودقّة شديدة. فالإخوان يتحمّلون قسطاً وافراً من المسؤولية، وما اقترفوه من أخطاء ساهم بدوره بقوة في الوصول إلى الأزمات الراهنة، في كل من مصر وتونس تحديداً.
كانت هنالك نصائح وتوصيات متعددة للجماعة، من قبل خبراء ومراقبين، بأن يتجنّبوا محاولة الهيمنة على السلطة والوقوع فيها في المرحلة الانتقالية، وأن يتركوا هامشاً واسعاً للشراكة الوطنية، وألا يراهنوا على صناديق الاقتراع وحدها، فهي أحد مدخلات العملية الديمقراطية وصيرورة التحول، وفي المراحل الانتقالية تعجز وحدها عن خلق شروط "العبور" الناجح نحو التحولات المطلوبة!
"الإخوان" جاؤوا إلى السلطة في مصر وتونس والأوضاع الاقتصادية في غاية السوء، والأوضاع الخدماتية والتنموية متدنية. وقد قدّموا في هاتين الدولتين -تحديداً- برامج اقتصادية، نظرياً، معقولة، إلاّ أنّهم، كما كان متوقّعاً، لم يتقدّموا خطوات إيجابية نوعية في التطبيق، ولم يلمس المواطنون فرقاً، ولو محدوداً، نحو الخروج من الأزمة. كما لم يتعاملوا بالميزان المطلوب من الحسابات، ولا بدرجة من الذكاء في قراءة "حقول الألغام"، فوقعوا بسهولة فيها.
غرِق "الإخوان" في صراعات مع خصومهم السياسيين الذين نجحوا في استدراج الجماعة إلى أزمات ومنعطفات حادّة، وخسر "الإخوان" حلفاء كثيرين كانوا بالأمس من أشد المدافعين عنهم في مرحلة الاضطهاد والاعتقال والسجون. وأنا شخصياً صُدمت من "ردّ الفعل" الحادّ من هؤلاء الأصدقاء المصريين على الجماعة، وخيبة أملهم من إداراتها للسلطة إلى الآن.
ليس هذا فحسب، بل إنّ التيار المحافظ في الجماعة؛ المنغلق الذي تغلب عليه الحسابات التنظيمية على إدراك أهمية التجديد وضرورته، أخذ بمقاليد الأمور، ووجدنا شخصيات من طراز عبدالمنعم أبو الفتوح وحمادة الجبالي، ممن كانوا "أعمدة" في الإصلاح داخل هذه الحركات، يخرجون ويهمّشون، بل ويعادَون في مرحلة لاحقة!
بيت القصيد؛ إنّ كلفة السلطة والقوة اليوم أكبر بكثير من السجون والمعتقلات والنفي وأعواد المشانق على جماعة الإخوان المسلمين. فالجماعة تفقد يومياً من زخمها وحضورها وشرعيتها التي تشكّلت على روافع الأيديولوجيا والتضحيات والعمل الطوعي والتعاطف الشعبي مع معاناتهم السابقة!
إذا خرج الإخوان من قيود الصراعات الراهنة، وفكّروا خارج الصندوق في مشروع الجماعة نفسه، والاختلاف الجوهري والبنيوي بين المرحلة الجديدة والعقود الماضية، بل بين دواعي التأسيس الأولى ومقتضيات المستقبل ومتطلباته، كما فعل من قبل صديقهم رجب طيب أردوغان، فإنّهم سيكتشفون أنّ عليهم إعادة هيكلة خطاب الجماعة وبنيتها وتصورها للمرحلة المقبلة، كشرط أساسي لإعادة تجديد المشروع السياسي لهم، وإلاّ فإن الجماعة ستستمر في عملية الاستنزاف السريع لتخسر في سنوات قليلة ما بنته في عقود طويلة في الشارع العربي!

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :





الأكثر قراءة

ماهي فضائيتك المحلية المفضلة:

  • التلفزيون الاردني
  • رؤيا
  • الحقيقة الدولية
  • الاردن اليوم
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.